مباشر: رأى بنك قطر الوطني (QNB) أن التجارة العالمية تنتقل من مرحلة العولمة المتسارعة إلى واقع أكثر تشرذما، بعد مسار امتد لجيل كامل وتدرج من "العولمة المفرطة" خلال العقد الأول من الألفية، مرورا بمرحلة "تباطؤ العولمة" في العقد الثاني، وصولا إلى المشهد الراهن المتسم بمزيد من التجزؤ وتنامي القيود المرتبطة بالسياسات.
وأشار البنك في تقريره الأسبوعي الصادر، اليوم السبت، إلى أن هذا التحول لم يؤد إلى تفكيك التجارة أو سلاسل الإمداد، بقدر ما دفع إلى إعادة تشكيلها، بالتوازي مع إبرام اتفاقيات جديدة، لافتا إلى أن مرحلة التكامل المتزايد التي استندت إلى قواعد أكثر وضوحا تفسح المجال أمام بيئة تجارية تتأثر بصورة أكبر بالاعتبارات الاستراتيجية والجيوسياسية.
واعتبر أن لهذه التطورات تداعيات مهمة على النمو العالمي والأسعار، فضلا عن آفاق التنمية في الاقتصادات الناشئة التي اعتمدت على انفتاح الأسواق لتعزيز نموها وتقليص الفجوة مع الاقتصادات المتقدمة.
وذكر أن التجارة العالمية كانت أحد المحركات الرئيسية للاقتصاد العالمي في مطلع القرن الحادي والعشرين، إذ تضاعفت التجارة في السلع والخدمات أربع مرات خلال الفترة بين عامي 2000 و2024، بينما ارتفعت نسبة التجارة إلى الناتج العالمي إلى ذروتها عند نحو 60 بالمئة في عام 2008.
وبحسب التقرير، فقد شكلت الأزمة المالية العالمية نقطة تحول رئيسية في مسار التجارة الدولية، إذ أنهت مرحلة من التوسع السريع التي غالبا ما توصف بأنها حقبة"العولمة المفرطة"، وبدأت بعدها وتيرة نمو التجارة في التباطؤ.
وقال التقرير في هذا الصدد إنه منذ ذلك الحين، تراجع الزخم، ودخل النظام التجاري العالمي مؤخرا واحدة من أكثر فتراته اضطرابا منذ عقود، وذلك بفعل موجة من الرسوم الجمركية والقيود التجارية.
ويكتسب فهم هذا التحول أهمية كبيرة، بالنظر إلى الدور الذي أدته التجارة باعتبارها أحد أقوى محركات النمو الاقتصادي العالمي والحد من الفقر في العصر الحديث.
وفي تحليله الأسبوعي، استعرض بنك قطر الوطني ثلاث مراحل في تطور التجارة العالمية بدءا من التوسع السريع خلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، مرورا بمرحلة "تباطؤ العولمة" التي أعقبت الأزمة المالية العالمية، وصولا إلى الارتفاع الأخير في النزعة الحمائية، والذي يسهم حاليا في إعادة تشكيل خريطة التجارة العالمية.
وفي هذا السياق، رصد التقرير توسعا استثنائيا في التكامل التجاري العالمي خلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، مدفوعا بانضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية عام 2001، وانتشار سلاسل القيمة العالمية، والانخفاض المطرد في تكاليف التجارة، وهي عوامل أسهمت في تسهيل حركة السلع والمكونات والخدمات عبر الحدود بوتيرة غير مسبوقة.
وأشار إلى أن هذا التوسع تعزز بعوامل أخرى، أبرزها تسارع توحيد معايير الحاويات المستخدمة في قطاع الشحن، والنمو السريع في تكنولوجيا المعلومات، إلى جانب الجولات المتعاقبة لخفض الرسوم الجمركية وتحرير التجارة.
وبين أن التجارة العالمية واصلت خلال تلك الفترة نموها بمعدل يقارب ضعف معدل نمو الناتج العالمي، ما رفع نسبة التجارة إلى الناتج المحلي الإجمالي، وعزز اندماج اقتصادات الأسواق الناشئة في النظام التجاري العالمي.
ولفت إلى ارتفاع حصة الأسواق الناشئة من إجمالي التجارة العالمية من حوالي الربع في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين إلى نحو 40 بالمئة حاليا، مما أدى إلى إعادة تشكيل الخريطة الجغرافية للتجارة العالمية.
أما المرحلة الثانية، فاعتبر بنك قطر الوطني أن الأزمة المالية العالمية في عام 2008 مثلت نقطة تحول في مسار التجارة العالمية، إذ انتقلت بعدها من مرحلة التوسع السريع إلى فترة اتسمت بتباطؤ وتيرة النمو التجاري.
ونوه التقرير إلى أنه، بعد الانكماش الحاد الذي أعقب الأزمة المالية العالمية، ثم التعافي خلال عامي 2009 و2010، استقر نمو التجارة عند وتيرة أبطأ بكثير، فيما تراجعت نسبة نمو التجارة إلى نمو الناتج الإجمالي العالمي من نحو اثنين إلى واحد قبل الأزمة إلى حوالي واحد إلى واحد بعدها.
وأرجع ذلك إلى بلوغ التوسع في سلاسل القيمة العالمية مرحلة النضج، واتجاه اقتصادات كبرى، مثل الصين، إلى تعزيز نموها عبر الطلب المحلي.
ولفت البنك إلى أن الانفتاح التجاري استقر خلال هذه المرحلة، بدلا من مواصلة الارتفاع، وهو ما أفرز مصطلح "تباطؤ العولمة" لوصف حقبة ظل فيها التكامل التجاري كبيرا، لكنه لم يعد يتزايد بالوتيرة السريعة التي سجلها في المرحلة السابقة.
أما المرحلة الثالثة، فرأى البنك أنها الأكثر تأثيرا، مع دخول النظام التجاري العالمي مرحلة أكثر احتداما اتسمت بتصاعد النزعة الحمائية.
ووفقا لـ"غلوبال تريد أليرت"، فقد تضاعف تقريبا عدد التدابير الجديدة المقيدة للتجارة المطبقة حول العالم بين العقد المنتهي في 2010 والعقد المنتهي في 2020، ليرتفع من نحو 3 آلاف تدبير سنويا إلى حوالي 6 آلاف.
وأشار التقرير إلى أن قيمة الواردات المتأثرة بالتعريفات الجمركية الجديدة وغيرها من تدابير الاستيراد ارتفعت خلال العام الماضي بأكثر من أربعة أضعاف، مسجلة أعلى مستوى من حيث التغطية خلال أكثر من 15 عاما من الرصد.
وأوضح أن الجولات المتتالية من زيادات التعريفات الجمركية والإجراءات التقييدية بين الاقتصادات الرئيسية، إلى جانب التحول الأوسع نحو السياسات الصناعية والحد من مخاطر سلاسل الإمداد، دفعت كلا من التعريفات الجمركية وحالة عدم اليقين المرتبطة بالسياسات التجارية إلى مستويات تفوق كثيرا المعايير التاريخية.
وفي ختام تحليله، رأى البنك أن تداعيات هذا التحول بدأت تنعكس على التوقعات قصيرة الأجل، موضحا أنه بعد نمو حجم تجارة السلع العالمية بنحو 3 بالمئة في عام 2024، يُتوقع أن يتباطأ النمو بشكل حاد.
وأبرز في هذا الصدد تحذير منظمة التجارة العالمية مرارا من أن انتشار الإجراءات المقيدة للتجارة وحالة عدم اليقين بشأن السياسات يمثلان أبرز المخاطر السلبية التي تواجه آفاق التجارة العالمية.
وخلص التقرير إلى أن التشرذم التجاري يتزايد على أسس جيوسياسية، مع إعادة توجيه المبادلات التجارية نحو شركاء ينظر إليهم على أنهم أكثر موثوقية معتبرا أن هذه العملية تؤدي إلى ارتفاع التكاليف والحد من الكفاءة، بما يفرض ضغوطا على الإنتاجية العالمية بمرور الوقت.
- أمانة القصيم توقع عقوداً استثمارية في محافظة البكيرية
- تباطؤ التوظيف يهدئ مخاوف الفائدة وينعش الأسهم الأمريكية
- اتفاق واشنطن والرياض النووي أمام تصويت حاسم بالشيوخ
- الدفاع المدني: إصابة مقيم وأضرار في مركبات إثر سقوط شظايا صاروخ بعسير
- السعودية تعتمد دليل تراخيص الاستيراد الجديد وتُحدّث قوائم السلع الخاضعة للترخيص

















0 تعليق