بعد الخروج من "الحركة المدنية"، هل تتمكن الأحزاب الليبرالية من تجاوز اختلافات الماضي ؟

منذ 34 دقيقة

أثار خروج أغلب الأحزاب الليبرالية من مظلة «الحركة المدنية الديمقراطية» حالة واسعة من الجدل السياسي، خصوصًا عقب حديث رئيسة حزب الدستور بشكل صريح عن موجة التهميش التي طالت الكيانات الليبرالية داخل التحالف. هذا الانسحاب المتتالي أعاد إحياء السؤال الأكثر تعقيدًا في المشهد: لماذا يعجز الليبراليون في مصر عن التكتل؟ وهل كشف هذا التجميد صعوبة التوافق بين الليبرالية كفلسفة اقتصادية وسياسية قائمة على حرية السوق والفردانية، وبين «التيار المدني» بصيغته الراهنة التي تستوعب يسار الوسط والناصريين والمستقلين أكثر من أصحاب الرؤى الليبرالية؟ والأهم من ذلك: هل يمثل الخروج فرصة ذهبية لإعادة ضبط بوصلة التواصل وبناء تكتل ليبرالي متماسك يتجاوز أخطاء التكتل القديم ؟

 التسلسل التاريخي للانقسام الليبرالي، الحقبة الملكية والأحزاب السعدية 

القارئ للتاريخ الحزبي يعرف أن أزمة عدم التنسيق أو التحالف بين الأحزاب الليبرالية تعود إلى أزهى عصور الفكرة في مصر، فحتى في عهد الوفد التاريخي، عانى التيار الليبرالي من عقدة الانشقاق، ويوثق المؤرخ يونان لبيب رزق في كتابه «تاريخ الأحزاب المصرية» كيف أن الخلافات الإدارية داخل الوفد كانت تنتهي دائمًا بولادة كيان جديد؛ فمع أول تصادم على القيادة، خرجت من عباءة الوفد أحزاب مثل «الأحرار الدستوريين» ثم «الهيئة السعدية» و«الكتلة الوفدية»، لتتفتت القوة التصويتية ليمين الوسط لصالح القصر والإنجليز.

أزمة «الأحرار الاشتراكيين» 

مع عودة المنابر في عهد الرئيس الراحل أنور السادات، تم تمثيل اليمين الليبرالي في منبر «الأحرار الاشتراكيين» برئاسة مصطفى كامل مراد. وتشير عدد من الدراسات التاريخية حول التعددية المقيدة في عهد السادات، إلى أن الحزب بدلًا من أن يتحول إلى نواة ليبرالية صلبة تستوعب رجال الأعمال والطبقة الوسطى، انغمس في صراعات طاحنة وانتهى به المطاف إلى الانقسام لـ 4 أجنحة ورؤساء متعددين ينازعون بعضهم في المحاكم.

تجربة «الوفد الجديد» و«الغد» 

مع عودة الوفد الجديد برئاسة فؤاد سراج الدين، احتكر الحزب التمثيل الليبرالي لفترة. ولكن كما يحلل الدكتور علي الدين هلال، المفكر والمحلل السياسي، فإن غياب آليات تداول السلطة الداخلية داخل الأحزاب المصرية جعل الانشقاق هو الوسيلة الوحيدة للتعبير عن الذات؛ ومع أول صدام حول إدارة الحزب، انشق أيمن نور وأسس حزب «الغد» عام 2004، لتنتقل العدوى من جديد.

فرص الاتحاد الليبرالي

رغم كل ما سبق، وبعد الخروج من مظلة «الحركة المدنية» يرى البعض أن هناك فرصة لإعادة رسم الخريطة السياسية على أسس أكثر صحة وملاءمة، وحسب خبراء التخلص من الضغوط التي فرضتها التحالفات السابقة يفسح المجال لطرح سؤال المستقبل: كيف يتحول هذا التشتت إلى فرصة لبناء «كتلة ليبرالية صلبة» ؟ 

الإجابة على هذا السؤال متاح في دراسات العلوم السياسية، التي تكشف أن المطالبة بإذابة الأحزاب في كيان واحد قضية غير واقعية وتصطدم بالتاريخ والتنظيم. لكن الحل البديل المجرب علميًا يكمن في نموذج «التكتل» وهو القالب الذي سمح لأحزاب يمين الوسط في تجارب دولية عديدة بالحفاظ على استقلالها التنظيمي، مع التحرك كقوة انتخابية وسياسية واحدة أمام الشارع وتحت القبة.

تجربة «الائتلاف النيابي» في الستينيات

يوثق المفكر الدكتور يونان لبيب رزق في كتابه «تاريخ الأحزاب المصرية» أن التيارات السياسية في مصر عندما عجزت عن الاندماج التنظيمي الكامل، نجحت في التنسيق عبر «الهيئات المشتركة»، وتجربة التنسيق في البرلمان والنقابات المهنية أثبتت أن العمل الموجه ببرنامج محدد يحقق نتائج أفضل بكثير من المحاولات القسرية لدمج الأحزاب.

درس «جبهة الإنقاذ» 

في تحليله لتجربة «جبهة الإنقاذ»، يشير الدكتور علي الدين هلال، إلى أن الجبهة رغم أنها لم تتحول إلى حزب واحد، إلا أنها أثبتت إمكانية خلق كتلة حرجة قادرة على تحريك الشارع عندما تتفق القيادات على «حد أدنى إستراتيجي»، وهو ما يمكن استنساخه اليوم بأسلوب أكثر استدامة بين أحزاب التيار الليبرالي وحده.

التجارب الدولية.. نموذج «يمين الوسط الأوروبي»

ترصد دراسات الدكتور سامر سليمان حول «البناء التنظيمي للأحزاب»، أن معظم القوى الليبرالية في العالم مثل التحالفات الديمقراطية في أوروبا لم تتشكل عبر إلغاء الأحزاب لنفسها، بل عبر تأسيس أمانة تنسيقية دائمة لإدارة الملفات الانتخابية والتشريعية بشكل مشترك، مع برنامج شبه موحد للتدريب الإعلامي والسياسي، وهو النموذج المتاح تطبيقه في مصر حاليًا بين أحزاب الوفد، والعدل، والإصلاح والتنمية، وأحزاب يمين الوسط

كيف تتحول الفرصة إلى واقع؟ 

تستطيع الأحزاب التجمع حول مركز تفكير مشترك (Think Tank) يخرج ببرنامج اقتصادي ليبرالي واضح ومحدد يخاطب أزمات المعيشة، والصناعة، والحرية الاقتصادية، والقطاع الخاص، ليكون هذا البرنامج هو المانيفستو الموحد للتكتل أمام الحكومة والمواطن، كما يمكن التنسيق تحت القبة؛ مما يمنح هذه الأحزاب ثقلًا تشريعيًا وحجم تأثيرًا كبيرًا في أدوات الرقابة والتشريع، ويجعل منها الرقم الأهم في معادلة الوسط.

حسب خبراء، الخروج من مظلة المعارضة القديمة ليس عزلة، بل فرصة لتأسيس بيت ليبرالي متماسك قائم على احترام استقلالية كل حزب، والتجمع في «كتلة عمل»، فالشارع المصري والطبقة الوسطى يبحثان عن بديل اقتصادي وسياسي متزن، وتشكيل هذا التكتل الهادئ والمحدد سينقل التيار الليبرالي من دائرة رد الفعل والاكتفاء بالصالونات المغلقة، إلى موقع شريك القرار وصانع البدائل

✎

فريق تحرير مصري فور نيوز

فريق التحرير في مصري فور نيوز — نتابع الخبر من مصادره ونقدّمه لك محرَّراً ومراجَعاً على مدار الساعة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق