في الثاني من أكتوبر عام 1869، ولد في بلدة بوربندر الهندية شخصية طفل لأسرة تقليدية، ومع ذلك كانت بداية لولادة فلسفة سياسية وإنسانية غيرت وجه آسيا والعالم؛ موهانداس كرمشاند غاندي الشهير بـ المهاتما أو الروح الكبيرة، الرجل الأعزل الذي استطاع إسقاط أعتى إمبراطورية استعمارية في العصر الحديث (الإمبراطورية البريطانية) عبر سلاح لم يعهده التاريخ العسكري من قبل "المقاومة السلمية والعصيان المدني".
من محاكم جنوب أفريقيا إلى قيادة الأمة الهندية
بدأت النواة الحقيقية لشخصية غاندي في جنوب أفريقيا؛ حيث عمل محاميًا وواجه تمييزًا عنصريًا صارخًا إذ القي من القطار بسبب لون بشرته، وهناك صاغ أولى المبادئ لمقاومة القوانين الجائرة بالفضيلة والمقاطعة السلمية.
وعند عودته إلى الهند عام 1915، تولى قيادة حزب المؤتمر الوطني الهندي، وحوّل النضال من معركة بين النخب إلى حركة شعبية عارمة تشمل جميع أطياف المجتمع:
مسيرة الملح (1930)
قطع فيها غاندي مع أتباعه أكثر من 380 كيلومترًا مشيًا على الأقدام إلى البحر لاستخراج الملح احتجاجًا على احتكار وضرائب بريطانيا، في خطوة كسر بها هيمنة المحتل رمزيًا واقتصاديًا، وفي عام 1942 أطلق حركة "اخرجوا من الهند"
خطورة الاستقطاب الطائفي
دفع غاندي حياته ثمنًا لموقفه الرافض للاقتتال الطائفي بين الهنود والمسلمين ومحاولته الحفاظ على وحدة الهند الكبرى، حيث اغتيل عام 1948 على يد متعصب هندوسي. واستمرت هذه اللحظة درسًا معاصرًا لكل المجتمعات المحيطة التي تواجه خطر الانقسام المجتمعي والطائفي.
تأثير غاندي
لم يقف تأثير المهاتما غاندي عند حدود تحرير شبه القارة الهندية عام 1947؛ بل تحول مذهبه في "اللاعنف" إلى الشفرة التأسيسية للحركات المدنية والحقوقية الكبرى عبر القرن العشرين والقرن الحادي والعشرين. من خطى مارتن لوثر كينج في معركته ضد التمييز العنصري بالولايات المتحدة، إلى نيلسون مانديلا في تفكيك نظام الفصل العنصري (الأبارتايد) بجنوب أفريقيا، وصولًا إلى الحراك الشعبي والمناهض للعولمة اليوم؛ حيث أثبتت فلسفة غاندي أن تحريك الجماهير وإرباك القوى السلطوية يتطلب صمودًا إخلاقيًا وتنظيميًا متماسكًا قادر على تفكيك بشرية الخصم وتجريده من مشروعية القوة.
وعلى الصعيد الاجتماعي والمعاصر، تمتد روح غاندي اليوم في المفهوم العالمي لـ "المقاومة الاقتصادية والاستهلاك الواعي"؛ فمع تصاعد أزمات المناخ واستغلال الموارد والهيمنة التجارية للمؤسسات العابرة للحدود، تعود أفكار غاندي الداعية للاكتفاء الذاتي والتنمية المحلية (حركة السواديشي) لتشكل نموذجًا إنسانيًا وأخلاقيًا في أيدي الشعوب. أضف إلى ذلك أن "يوم ميلاد غاندي" أقرته الأمم المتحدة رسميًا “اليوم العالمي لعدم عنف”، تذكيرًا دائمًا بحتمية التخلي عن الاستقطاب والطائفية، والاعتماد على قوة الفكرة والضمير الجمعي في مواجهة سطوة السلاح والبطش السياسي.

















0 تعليق