قد يظهر سرطان الأمعاء لدى بعض الأشخاص في سن مبكرة رغم عدم وجود أعراض واضحة أو وجود عوامل خطر معروفة، لكن في بعض الحالات قد يكون السبب مرتبطًا بتغير جيني موروث يزيد احتمالات الإصابة بالمرض، وهو ما يجعل اكتشاف هذا التغير مبكرًا أمرًا مهمًا للوقاية والمتابعة الطبية.
وفقًا لتقرير نشره موقع «ديلي ميل» البريطاني، فإن متلازمة لينش تُعد من أبرز الحالات الوراثية المرتبطة بزيادة خطر الإصابة بسرطان الأمعاء، ويُعتقد أن نحو 175 ألف شخص في المملكة المتحدة يحملون هذه المتلازمة، بينما لا يعرف معظمهم أنهم مصابون بها.
ما هي متلازمة لينش؟
متلازمة لينش هي اضطراب وراثي ينتج عن خلل في بعض الجينات المسئولة عن إصلاح الأخطاء التي تحدث في الحمض النووي، ويمكن أن يؤدي وجود هذا الخلل إلى زيادة احتمالات الإصابة ببعض أنواع السرطان، وعلى رأسها سرطان الأمعاء.
وتختلف درجة الخطر وفقًا للجين المتأثر، إذ يشير التقرير إلى أن خطر الإصابة بسرطان الأمعاء على مدى الحياة قد يتراوح بين 30 و80% لدى الأشخاص المصابين بمتلازمة لينش.
كما ترتبط المتلازمة لدى النساء بزيادة خطر الإصابة بسرطان الرحم، الذي قد يظهر في سن أصغر من المعتاد.
لماذا قد لا يعرف الشخص أنه يحمل المتلازمة؟
تكمن المشكلة الرئيسية في أن متلازمة لينش قد لا تسبب أعراضًا بحد ذاتها، ولذلك يمكن أن يعيش الشخص لسنوات دون أن يعرف أنه يحمل التغير الجيني.
ويُعد التاريخ العائلي أحد أهم المؤشرات التي قد تدفع الأطباء إلى التفكير في إجراء الاختبار الجيني، خاصة إذا أُصيب أحد الأقارب من الدرجة الأولى، مثل الأب أو الأم أو الأخ أو الأخت أو الابن، بسرطان الأمعاء أو الرحم أو المثانة أو المسالك البولية أو البروستاتا قبل سن الخمسين.
وفي حال كان أحد الوالدين أو الأشقاء يحمل متلازمة لينش، فإن احتمال وراثة التغير الجيني قد يصل إلى 50%.
اختبار جيني يمكن أن يكشف الخطر
يمكن أن يساعد الفحص الجيني المتخصص في معرفة ما إذا كان الشخص يحمل التغيرات المرتبطة بمتلازمة لينش، وهو ما يسمح للأطباء بوضع خطة متابعة مناسبة تشمل الفحوص الدورية، وقد تتضمن تنظير القولون بصورة منتظمة وفقًا لتقييم الحالة.
وفي بعض الحالات، يتم اكتشاف المتلازمة أولًا لدى شخص مصاب بالسرطان، ثم يُنصح أقاربه المقربون بإجراء الفحوص اللازمة، لكن التقرير يشير إلى أن هذه الخطوة لا تحدث دائمًا، خاصة إذا توفي المريض قبل إجراء الاختبار أو لم تصل النتيجة إلى أفراد الأسرة.
ما علاقة الأسبرين بسرطان الأمعاء؟
من أكثر النقاط التي أثارت اهتمام الباحثين دور الأسبرين في تقليل خطر سرطان الأمعاء لدى بعض الأشخاص المصابين بمتلازمة لينش.
وأشارت دراسات إلى أن تناول الأسبرين يوميًا لمدة عامين على الأقل قد يرتبط بانخفاض خطر الإصابة بسرطان الأمعاء لدى المصابين بمتلازمة لينش بنحو 50%، ويُعتقد أن الدواء قد يؤثر في بعض الآليات المرتبطة بنمو الأورام، إلى جانب تأثيرات محتملة على نشاط الخلايا المناعية.
لكن هذه النتائج لا تعني أن الأسبرين مناسب لكل شخص للوقاية من السرطان، إذ يمكن أن يسبب آثارًا جانبية خطيرة، من بينها النزيف والكدمات ومشكلات الجهاز الهضمي، ولذلك يجب أن يكون استخدامه قرارًا طبيًا مبنيًا على تقييم المخاطر والفوائد.
الأسبرين ومتغير PIK3CA
لا يقتصر الاهتمام البحثي بالأسبرين على الأشخاص المصابين بمتلازمة لينش، إذ يناقش التقرير مجموعة أخرى من مرضى سرطان الأمعاء، وهم الذين تحمل أورامهم تغيرًا جينيًا يعرف باسم PIK3CA.
ويشارك هذا الجين في تنظيم نمو الخلايا، وقد يؤدي حدوث تغيرات فيه إلى تنشيط إشارات تساعد الخلايا السرطانية على النمو والبقاء.
وأشار التقرير إلى دراسة سويدية نُشرت في سبتمبر الماضي، وجدت أن تناول الأسبرين يوميًا لمدة 3 سنوات ارتبط بانخفاض خطر عودة بعض سرطانات الأمعاء التي تحمل هذا التغير الجيني إلى النصف.
ومع ذلك، فإن هذه النتائج لا تعني أن جميع مرضى سرطان الأمعاء ينبغي أن يتناولوا الأسبرين، إذ إن تحديد الفائدة المحتملة يعتمد على الخصائص الجينية للورم وعلى الحالة الصحية للمريض، إلى جانب تقييم خطر النزيف والآثار الجانبية.
لماذا لا ينبغي تناول الأسبرين دون استشارة الطبيب؟
رغم أن الأسبرين دواء شائع ويستخدم لدى بعض المرضى للوقاية من الجلطات، فإن استخدامه بصورة يومية قد لا يكون آمنًا للجميع.
وقد يؤدي إلى زيادة خطر النزيف، كما يمكن أن يسبب مشكلات في الجهاز الهضمي، ولذلك فإن إجراء الاختبارات المناسبة قبل التفكير في استخدامه للوقاية من السرطان يمثل خطوة مهمة لتحديد الأشخاص الذين يمكن أن يستفيدوا منه بالفعل.
هل تفسر الجينات زيادة سرطان الأمعاء لدى الشباب؟
يرى الباحثون أن دراسة التغيرات الجينية قد تساعد أيضًا في فهم سبب ارتفاع معدلات سرطان الأمعاء لدى الأشخاص الأصغر سنًا.
ووفقًا للتقرير، تشير بعض الأبحاث إلى أن المرضى الذين تقل أعمارهم عن 50 عامًا قد يكونون أكثر عرضة لوجود تغيرات جينية مكتسبة داخل الأورام، مثل تغيرات PIK3CA، وهي تغيرات لا تكون بالضرورة موروثة من الوالدين وإنما قد تحدث خلال حياة الشخص.
ولا يزال السبب وراء ظهور هذه التغيرات في سن مبكرة غير محسوم، وتُدرس عدة احتمالات، من بينها بعض العوامل البيئية والغذائية، والتعرض للملوثات، والتغيرات التي قد تؤثر في ميكروبات الأمعاء، لكن لا توجد حتى الآن إجابة نهائية تحدد سبب هذه الزيادة.
التاريخ العائلي قد يكون جرس إنذار
وجود حالات سرطان في العائلة، خاصة في سن صغيرة، لا يعني بالضرورة أن الشخص يحمل متلازمة لينش، لكنه قد يكون سببًا مهمًا لمناقشة التاريخ المرضي العائلي مع الطبيب.
ويمكن للطبيب المتخصص في الوراثة أو الأورام تقييم نمط الإصابة داخل العائلة وتحديد ما إذا كان الفحص الجيني مناسبًا، ثم وضع خطة متابعة تتناسب مع نتيجة الاختبار وعوامل الخطر الأخرى.
أما الأسبرين، فلا ينبغي البدء في تناوله بهدف الوقاية من سرطان الأمعاء من تلقاء النفس، حتى مع وجود تاريخ عائلي للمرض، لأن قرار استخدامه يحتاج إلى تقييم طبي دقيق لموازنة الفوائد المحتملة مع مخاطر النزيف والآثار الجانبية.






