واشنطن تنحني أمام عملاق الشرق: مراسم استثنائية لاسترضاء الصين

منذ ساعة

السجاد الأحمر الممتد على مدرج قاعدة أندروز المشتركة، مصحوباً بهدير قاذفات «بي-2» الاستراتيجية ومقاتلات «إف-22» المتطورة، والمشاهد الاحتفالية الاستثنائية التي تنقلها الشاشات من واشنطن هذه الأيام، تبدو أقرب إلى مناورة أمريكية لاستيعاب التحولات الجذرية العميقة العاصفة بموازين القوى العالمية، منها إلى مراسم زيارة رسمية لرئيس دولة، حيث اختار الرئيس الأمريكي دونالد ترمب كسر التقاليد البروتوكولية الراسخة وتجاوز الأعراف الدبلوماسية المألوفة عبر التوجه شخصياً لانتظار نظيره الصيني شي جين بينغ قرابة خمس وأربعين دقيقة كاملة، مقدماً بذلك دليلاً قاطعاً على إدراك الإدارة الأمريكية التام لحجم النفوذ الصيني المتعاظم القادر على فرض شروطه الصارمة على طاولة النظام الدولي، ومجسداً حالة من الخضوع الرمزي أمام ضيف يمتلك مفاتيح استقرار الاقتصاد العالمي بأسره.

تباين التوقيتات يعكس ميزان القوة

تتزامن هذه الحفاوة المبالغ فيها مع تباين جليّ في التوقيتات السياسية الحاكمة لمسارات الزعيمين، إذ يخطو الرئيس الصيني بثقة مطلقة نحو تأمين ولاية رابعة تاريخية تعزز قبضته الحديدية على مقاليد الحكم وتضمن استمراريته في قيادة الحزب الحاكم لسنوات مقبلة، مستنداً إلى رؤية استراتيجية ممتدة تتجاوز الحسابات اللحظية، في وقت يرزح فيه مضيفه الأمريكي تحت وطأة ضغوط داخلية خانقة تسبق انتخابات التجديد النصفي المقررة في شهر تشرين الثاني/نوفمبر المقبل، وتتفاقم حدتها بفعل التورط المستمر في الصراع الدائر مع إيران وتصاعد الانتقادات الحادة من حلفاء واشنطن التقليديين، الأمر الذي يمنح بكين تفوقاً استراتيجياً يتيح لها ممارسة أقصى درجات الصبر التكتيكي، واستغلال حاجة واشنطن الماسة للحفاظ على هدوء مؤقت يقيها شر الهزات الاقتصادية العنيفة قبيل الاستحقاقات الانتخابية الحاسمة، دافعاً الإدارة الأمريكية إلى تقديم تنازلات شكلية وموضوعية تلازماً مع حفلات العشاء الرسمية والجولات الثقافية المشتركة في المتاحف الفنية.

ما وراء خشبة المسرح

خلف هذه المظاهر الاحتفالية الباذخة، والابتسامات المتبادلة أمام الكاميرات، ثمة وقائع باردة تؤكد هشاشة الهدنة التجارية القائمة بين البلدين، وتبرز تفوقاً صينياً متصاعداً يستند إلى امتلاك أوراق ضغط اقتصادية فتاكة تتجاوز قدرة واشنطن على الاحتواء، تتصدرها هيمنة بكين شبه المطلقة على سلاسل توريد المعادن النادرة الحيوية. إذ تستحوذ الصين وحدها على سبعين في المئة من عمليات التعدين العالمية وتسيطر على أكثر من خمسة وثمانين بالمائة من قدرات التكرير والتصنيع المرتبطة بها، مانحة إياها قدرة استثنائية على شلّ قطاعات صناعية أمريكية بأكملها تمتد من صناعة السيارات الكهربائية المتطورة وصولا إلى إنتاج أشباه الموصلات والمعدات الدفاعية الحساسة والطائرات التجارية، لتتحول هذه الموارد الطبيعية إلى سلاح جيوسياسي فعال يجبر واشنطن على تجميد رسومها الجمركية وتمديد العمل بالاتفاقيات المؤقتة تفاديا لانهيار صناعي وشيك يهدد صلب الأمن القومي الأمريكي.
على أن طموحات التنين الصيني تحلق لما بعد حدود التفوق الاقتصادي التقليدي لتعانق آفاق الهيمنة التكنولوجية المعولمة، لا سيما في مضمار الذكاء الاصطناعي الذي يشهد سباقاً محموماً قد يحسم شكل المستقبل البشري وتوازنات القوى تالياً. لقد ضخت الصين استثمارات حكومية فلكية ناهزت مئة وأربعة وثمانين مليار دولار لدعم شركاتها الوطنية وتطوير خوارزمياتها المستقلة، مؤسسة بذلك بنية تحتية رقمية جبارة تتفوق في قدراتها التنظيمية والتمويلية الموحدة على النموذج الأمريكي المعتمد كلية على تذبذبات مبادرات القطاع الخاص، ما اضطر الإدارة الأمريكية إلى المسارعة بطلب عقد مباحثات ثنائية عاجلة لتأسيس آلية مشتركة تهدف إلى إدارة المخاطر المتنامية لهذا القطاع الحيوي، في خطوة تعكس بوضوح خشية واشنطن العميقة من التفرد الصيني المرتقب في تطوير أنظمة متقدمة قادرة على تغيير قواعد الاشتباك العسكري والأمني والسيادي حول العالم وتكريس التفوق الصيني واقعاً ملموساً يستعصي على الاختراق.

ولعبة الأوراق تحت الطاولة: من طهران إلى تايوان

تمتد خيوط القوة الصينية لتشابك أعقد الملفات الجيوسياسية المشتعلة في مختلف أرجاء المعمورة، بدءاً من التململ الأمريكي إزاء الروابط التجارية والأمنية الوثيقة التي تحتفظ بها بكين مع طهران، وصولاً إلى التحدي الأكبر المتمثل في جزيرة تايوان، حيث توظف القيادة الصينية نفوذها المتمدد في الشرق الأوسط واستمرارها في استيراد النفط الإيراني وتوفير الدعم التقني ومعلومات الأقمار الصناعية الدقيقة، كورقة مقايضة ثمينة لإجبار واشنطن على إعادة حساباتها الشاملة بشأن مبيعات الأسلحة المتطورة لتايبيه، مدركة تماماً حقيقة ارتباك الولايات المتحدة إزاء خوض مواجهات متزامنة على جبهات جغرافية متعددة ومتباعدة، ومستغلة هذا التشتت الأمريكي الواضح لفرض واقع جديد يقزم التحالفات الغربية ويجعل من الرضا الصيني شرطا أساسيا لضمان الحد الأدنى من الاستقرار العالمي ومرورا إجباريا لتسوية أي صراع دولي قائم.
وتكشف تفاصيل الاستعراض التلفزيوني الراهن حالة الانفصال الواضحة بين الخطاب السياسي الأمريكي الموجه للداخل وبين الممارسات الفعلية المطبقة على أرض الواقع، فبينما يواصل صقور الحزب الجمهوري توجيه انتقادات حادة للقيادة الصينية محذرين من مخاطر ترسانتها العسكرية المتنامية ونهجها التوسعي، يختار الرئيس ترامب مسار التهدئة الشخصية والمجاملات الدبلوماسية الفائقة المتمثلة في الإشادة المتكررة بعلاقة الصداقة المتينة التي تربطه بالرئيس شي، متغاضياً عمداً عن تقارير استخباراتية متواترة حول مغامرات بكين السيبرانية واستحواذها على تقنيات استراتيجية، ومفضلاً الارتكان إلى وعود صينية غامضة بزيادة مشتريات المنتجات الزراعية الأمريكية وعقد صفقات طائرات تجارية تبقى معلقة وقيد المراجعات الأمنية المستمرة، في مقايضة خاسرة تضحي بالمصالح الاستراتيجية طويلة الأمد لصالح مكاسب انتخابية آنية سريعة التبخر تشتري له وقتاً مستقطعاً يسبق العاصفة التكنولوجية والاقتصادية القادمة من الشرق.

المتنمر هناك… وديعٌ هنا!

يعكس سلوك إدارة الرئيس ترامب تناقضاً فجاً يثير حفيظة حلفائها الآسيويين والأوروبيين على حد سواء، إذ يعمد الرئيس الأمريكي إلى تهميش شركائه التقليديين، والتنمر عليهم، وتقويض تحالفاته التاريخية بقرارات أحادية متعجلة، محتفظاً في الوقت ذاته بأقصى درجات الاحترام والتبجيل والمراعاة لخصمه الاستراتيجي الأكبر المتمثل في الصين. وتستفيد بكين بشكل هائل من هذه التخبطات الأمريكية لتعزيز مكانتها كشريك دولي موثوق ومستقر وقادر على ملء الفراغ الجيو- سياسي المتولد عن تراجع الدور القيادي الأمريكي، ومكرسة صورتها كقوة عظمى تتعامل بندية مطلقة مع واشنطن وتجبرها على استجداء الحلول التوافقية وإطالة أمد اتفاقيات الهدنة التجارية الهشة تجنبا لتداعيات اقتصادية مدمرة يصعب على الاقتصاد الأمريكي المنهك تحمل وزرها في هذه المرحلة الحرجة من تاريخه الحديث.
تؤكد التحليلات الاقتصادية المتخصصة جهوزية الصين الفائقة لترويض السياسات الحمائية الأمريكية وتحويلها إلى أدوات ضغط عكسية تخدم مصالح بكين العليا، حيث أثبتت التجربة العملية قدرة القيادة الصينية على استيعاب الرسوم الجمركية القاسية والرد عليها بإجراءات نوعية موجعة تستهدف نقاط الضعف الهيكلية في الاقتصاد الأمريكي، محولة مسار التفاوض من محاولة أمريكية لفرض الاستسلام الاقتصادي إلى مناشدات أمريكية ملحة للحفاظ على الوضع الراهن وإدارة التنافس ضمن أطر منضبطة تقي الطرفين شر الانزلاق نحو مواجهة شاملة.
وكما يدرك من لا تخدعهم الصور المخصصة للاستهلاك، فإن مسألة الاستقرار الاستراتيجي المزعوم هذه ليست سوى غطاء دبلوماسي براق يخفي تحته صعوداً صينياً ثابتاً وممنهجاً يقضم مساحات النفوذ الأمريكي خطوة بخطوة، ويؤسس لنظام عالمي جديد تتصدر بكين واجهته الاقتصادية والتكنولوجية بكفاءة واقتدار.

٭ إعلامية وكاتبة – لندن

✎

فريق تحرير مصري فور نيوز

فريق التحرير في مصري فور نيوز — نتابع الخبر من مصادره ونقدّمه لك محرَّراً ومراجَعاً على مدار الساعة.

أخبار ذات صلة

0 تعليق