حين حوّلنا المحكمة العليا الإسرائيلية لمرابط خيلنا

منذ ساعة

لم تكن محاولة شطب القائمتين العربيتين ومنعهما من خوض الانتخابات القادمة للكنيست الإسرائيلي، وشطب بعض المرشحين فيها، خطوة مفاجئة، فمثل هذه المحاولات تكررت تباعا في مواسم الانتخابات الإسرائيلية السابقة، وقد حصل فيها ما حصل هذه المرة أيضا، وقبلت «لجنة الانتخابات المركزية» معظم طلبات الشطب بناء على الذرائع الواردة في البند السابع (أ) «لقانون أساس الكنيست»، التي تتيح منع ترشيح شخص في قائمة انتخابية، أو خوض القائمة نفسها للانتخابات، في حالات ثلاث هي: مناصرة العنصرية، ونفي كون إسرائيل دولة يهودية وديمقراطية، ودعم الكفاح المسلح ضد دولة إسرائيل من قبل دولة معادية، أو من قبل تنظيم إرهابي.
ولم يكن قرار شطب عضوي الكنيست عوفر كسيف وسامي أبو شحادة، المرشحين في القائمة المشتركة، وشطب القائمتين العربيتين «القائمة المشتركة»، التي يترأسها يوسف جبارين «والقائمة الموحدة»، التي يترأسها منصور عباس، مفاجئا كذلك؛ فلجنة الانتخابات المركزية هي جسم سياسي تسيطر عليه، في هذه الدورة، أكثرية مطلقة من أحزاب اليمين المتطرف، مدعومة بممثلي أحزاب اليمين الصهيوني التقليدي، مثل حزب «يشار» بقيادة جادي آيزنكوت، وحزب «يش عتيد» بقيادة يائير لبيد، وحزب «إسرائيل اليوم» بقيادة إيفيت ليبرمان.
نقف اليوم، نحن المواطنين العرب في إسرائيل، أمام مرحلة حرجة ومفصلية قد تفضي، في الأيام القريبة المقبلة إلى شرعنة واقع إقصائي جديد بحقنا، وإلى فرض تقييدات سياسية لم نعهدها من قبل، ولا حتى خلال سنوات خضوعنا للحكم العسكري منذ عام 1948 ولغاية عام 1967، خاصة إذا صادقت المحكمة العليا الإسرائيلية على قرارات لجنة الانتخابات المركزية، في سابقة مناقضة لقراراتها في جميع الحالات المشابهة التي تداولتها عبر السنين.

لجنة الانتخابات المركزية جسم سياسي تسيطر عليه، في هذه الدورة، أكثرية مطلقة من أحزاب اليمين المتطرف، مدعومة بممثلي أحزاب اليمين الصهيوني التقليدي، مثل حزب «يشار» وحزب «يش عتيد» وحزب «إسرائيل اليوم»

من المتوقع أن يتقدم جميع ضحايا قرارات لجنة الانتخابات بالتماسات إلى المحكمة العليا، فهي صاحبة القول الفصل في مثل هذه القضايا. ليس في وسع هذه العجالة أن تأتي على تفاصيل قرارات المحكمة العليا التي صدرت في الماضي؛ بيد أن النتيجة النهائية في جميعها كانت في صالح القوائم العربية ومرشحيها، مع التأكيد على ضرورة اتباع قواعد صارمة ودقيقة لتفسير ذرائع «قانون أساس الكنيست» المذكور، وكذلك على ضرورة توفّر بيّنات وازنة وقاطعة وواضحة تثبت ما يُكال من «تهم» وادعاءات بحق القوائم العربية ومرشحيها، والتي يدفع بها غالبّا سياسيون عنصريون يخططون ليس فقط لإحراز انتصارات انتخابية مباشرة، بل إلى تقويض أواصر معادلة المواطنة المتفاهم عليها، رغم ما يحيط بها من لبس تاريخي.
لقد كان طبيعيا أن تتأثر المحكمة العليا من جميع الاضطرابات التي واجهها المجتمع الإسرائيلي عبر السنين ومن جميع التغيّرات التي أصابته، لا سيما ذاك الجنوح الجنوني نحو التطرف العنصري والعرقي. وإذا ما تعقبنا إرهاصات تلك التغييرات وأثرها المبكر على المحكمة العليا في هذه المسألة فقد نجدها في الشرخ الواضح الذي شهده القرار الصادر عن المحكمة العليا في قضية شطب «حزب التجمع» ورئيسه، في ذلك الوقت عزمي بشاره، إبان انتخابات الكنيست في عام 2003.
لقد التأمت المحكمة وقتها بهيئة مكوّنة من أحد عشر قاضيا، في دلالة للأهمية التي أولتها لهذه القضية، فصوّت من بينهم سبعة قضاة ضد قرار لجنة الانتخابات، بينما أجازه أربعة كان يشاع عنهم وقتها أنهم من القضاة «المحافظين»، وهو تعبير عن ميولهم السياسية اليمينية. وإذا انتقلنا لعام 2012 سنجد أن المحكمة العليا بهيئة مكوّنة من تسعة قضاة رفضت قرار شطب ترشيح حنين زعبي لقائمة حزب التجمع بسبب مشاركتها في «أسطول الحرية مرمرة». عبّر القضاة وقتها عن قناعتهم بعدم وجود أية إثباتات حاسمة تفي بتسويغ تطبيق القانون، مع أنهم قالوا في قرارهم إن «تصرفاتها وتصريحاتها كانت متطرفة ومستفزة ومزعجة جدا».
بعد قرار لجنة الانتخابات كتبت في حينه: «إن الوضع ينذر بكارثة. أقول هذا وأكرره لا من باب تهويل قد يثبط عزائم الحكماء ولا كتفزيع رادع، بل كالمنشد «يا ساهر البرق أيقظ راقد السمر / لعل بالجزع أعوانا على السهر»؛ وأضفت: «بناء على سوابق الماضي وبناء على موقف المستشار القانوني للحكومة، الذي عارض طلب الشطب، يمكننا التكهن بأن المحكمة العليا ستتدخل، وستنصف، باسم الديمقراطية الإسرائيلية، حنين زعبي، الملتمسةَ عدلها. أن موقف المحكمة المرتقب هو من باب التكهن فقط، مع أنني أتوقع أننا على مشارف حقبة ستسقط فيها هذه «الخيمة» التي باتت الثقوب تعيب سقفها وينخر السوس عمادها».
لقد توالت هذه القضايا على درجات المحكمة العليا حتى وصلنا إلى انتخابات عام 2020. حينها قررت لجنة الانتخابات المركزية شطب ترشيح المرشحة هبة يزبك من قائمة حزب التجمع وذلك بذريعة دعمها للإرهاب، بعد أن ثبت أنها كانت قد نشرت ملصقات في مديح للأسير سمير قنطار وللشهيدة دلال المغربي. ومرة أخرى وقفت المحكمة على حافة «الجرف» وانقسم قضاتها التسعة انقسامّا انشطاريا، ليذكرونا بخطورة واقعنا وبضرورة إعادة حساباتنا. خمسة قضاة قرروا ضد قرار لجنة الانتخابات مؤكدين أنهم يفعلون ذلك، رغم أن المنشورات كانت «مستفزة وخطيرة وتسبب الاشمئزاز». في المقابل قرر أربعة قضاة تثبيت قرار لجنة الانتخابات وكان بينهم القاضيان المستوطنان سولبرغ (رئيس لجنة الانتخابات المركزية الحالي) ودافيد مينتس الذي ما زال على رأس عمله.
وقد كتبت في أعقاب ذلك القرار: «تستحق تداعيات هذه القضية مراجعة شاملة ومستفيضة؛ فهي، في نظري، تثير جملة من التساؤلات الخطيرة حول سلوكيات معظم القادة السياسيين الناشطين بيننا ومؤسسات المجتمع المدني؛ وتكشف، في الوقت نفسه، عن عمق الهوة القائمة بين «الحقيقة الفوقية» الزائغة، وما يستهلكه الناس من بضاعات سياسية تلقّم لهم بنمطية مدجِّنة. لم أكن أنا شخصيا بحاجة لقراءة قرار المحكمة كي أخلص إلى أننا نلهث على خطوط النهاية المدويّة؛ أو أننا نختنق، عمليا، في بطن الحوت. ينذر قرار المحكمة بالأخطر الآتي ويكشف آخر درجات هاويتنا الوشيكة وليس فقط «مستقبل تمثيلنا السياسي» كما يعتقد البعض؛ تضيق الهوامش أمامنا وتوصد جميع المنافذ؛ ولا يشذ عن ذلك جهاز القضاء وعلى رأسه المحكمة العليا، التي هجمت عليها واحتلتها قوى الظلام؛ فيكفي أن نقرأ سيَر قضاتها الحاليين، كي نتنبأ بأحكامهم الأكيدة، تماما كما حصل في قضية النائبة يزبك».
خمسة قضاة أرادوا حينها أن يصدقوا «السحر» بما كتبته «جمعية عدالة» باسم موكلتها وعلى لسانها وكانوا يتنكرون لحدسهم. ضدهم وقف أربعة عند حدود «توراتهم» واتبعوا «حدسها».
يسألونني هل «ستنصرنا» المحكمة الاسرائيلية هذه المرة كما فعلت في الماضي؟ فأقول في سري: ما ضرّنا لو أخذنا الحكمة من الصين، ففيها عاش من قال «إن أعظم انتصار هو الذي لا يتطلب اقتتالا»، وأتساءل، بوجع وبغضب، كيف ولماذا وصلنا إلى هذه المعركة؟
لقد كان سهلا عليّ أن أتكهن مسبقا بقرار المحكمة في مثل هذه القضايا؛ أما اليوم فهذه مهمة مستحيلة. المستشارة القانونية للحكومة تواجه حربا وضغوطا من قوى اليمين، ومثلها يعاني قضاة المحكمة العليا، ويواجهون الضغوط والتهديدات نفسها. وقد رأينا كيف انضم القاضي سولبرغ وصوّت مع الأغلبية على شطب المرشح سامي أبو شحادة، وهي خطوة كان يمتنع عنها رؤساء اللجان في العقدين الأخيرين، وفيها اشارة إلى عمق اختلال المعايير ورسالة لزملائه القضاة «المحافظين» الذين سيشاركون في هيئة المحكمة المرتقبة. جميع الاحتمالات واردة ومتعلقة بهوية القضاة الذين سيشاركون وبعددهم، وكذلك بقوة «سحر» الادعاءات والتبريرات والشروحات والتنويهات والتأكيدات والاعتذارات التي سيقدمها الملتمسون وهيئات الدفاع عنهم؛ وهي متعلقة أيضّا بحدس القضاة وبخوفهم «من الذكريات».
كل الاحتمالات واردة، فهل لدينا الاستعدادات لمواجهتها؟

كاتب فلسطيني

✎

فريق تحرير مصري فور نيوز

فريق التحرير في مصري فور نيوز — نتابع الخبر من مصادره ونقدّمه لك محرَّراً ومراجَعاً على مدار الساعة.

أخبار ذات صلة

0 تعليق