في 1 أيار 2006 نشر الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن، مقالا مشتركا في صحيفة «نيويورك تايمز» بعنوان «الوحدة عبر الحكم الذاتي في العراق»، تستلهم أفكارا سبق أن استخدمت لمواجهة الصراع الدموي الذي نشب بين المسلمين والصرب والكروات في البوسنة والهرسك في تسعينيات القرن الماضي. في هذا المقال، اقترح بايدن فكرة «إنشاء ثلاثة أقاليم تتمتع بقدر كبير من الحكم الذاتي، إلى جانب حكومة مركزية فعالة في بغداد. وتتولى أقاليم الكرد والسنة والشيعة مسؤولية سن قوانينها المحلية وإدارة شؤونها وضمان أمنها الداخلي، بينما تسيطر الحكومة المركزية على الدفاع عن الحدود والشؤون الخارجية وعائدات النفط. وستصبح بغداد منطقة فيدرالية، في حين تحظى المناطق ذات الكثافة السكانية المختلطة بحماية شرطية دولية ومشتركة بين الطوائف»!
وحيث إن الفاعلين السياسيين السنة في تلك المرحلة كانوا رافضين لفكرة الفيدرالية، على عكس الفاعلين السياسيين الشيعة (طرح عبد العزيز الحكيم يومها فكرة إقليم الوسط والجنوب الشيعي)، فإن المقال ركز على «إغراء السنة للانضمام إلى النظام الفيدرالي»، لأن السنة بحسب ما جاء به المقال: «لا يرغبون في العيش في ظل دولة شديدة المركزية تسيطر عليها أغلبية شيعية وتُفرض فيها القوانين بقوة الميليشيات الطائفية»
ويجادل المقال بأنه «قد يرى البعض أن التوجه نحو نظام إقليمي قوي سيشعل فتيل عمليات التطهير الطائفي، لكن هذا هو بالضبط ما يحدث حالياً وبموجات متصاعدة. وقد يجادل آخرون بأن ذلك سيؤدي إلى التقسيم، غير أن التفكك جارٍ بالفعل. وكما حدث في البوسنة، يُعد النظام الفيدرالي القوي وسيلة عملية للحيلولة دون وقوع كلا الخطرين في العراق»!
يومها سارع الرئيس الجمهوري جورج بوش الابن إلى رفض الفكرة، ووصفها البيت الأبيض بأنها خطة لتقسيم البلاد، وأن العراقيين لن يؤيدوا ترتيباً يؤدي إلى حكومة مركزية ضعيفة!
بعد أكثر من عشرين عاما، ظهر وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو يوم 23 أيلول/ سبتمبر 2026، ليدعو إلى ضرورة نزع سلاح الميليشيات الشيعية/ الإيرانية في العراق «لتفادي بلقنة العراق» كما قال، واستخدام مصطلح Balkanization (وهو مصطلح يستخدم لتوصيف عملية تقسيم دولة أو منطقة موحدة الى دويلات وكيانات أصغر)، لم يكن مرتجلا هنا، بل يحمل تهديدا مبطنا للفاعلين السياسيين الشيعة الذين يحتكرون اليوم السلطة والدولة والسلاح والمجال العام في العراق، ومن خلفهم إيران، بأن عدم نزع سلاح ميليشياتهم سيؤدي إلى تقسيم العراق نفسه هذه المرة! كما يعكس في الوقت نفسه وعيا أمريكيا متصاعدا بطبيعة أزمة الحكم في العراق، وبحقيقة رفض العرب السنة والكرد لهذا الاحتكار، وهو رفض يمكن أن يتحول مع أول متغير حقيقي إلى فعل سياسي واجتماعي!
بالتأكيد لا يمكن فصل هذا التصريح عن سياق الحرب الأمريكية الإيرانية، وعن المعرفة الأمريكية الطويلة بأن العراق لم يعد مجرد تابع لإيران، بل أصبح أداة تستخدمها في صراعاتها، بسبب «تبعية» الفاعلين السياسيين الشيعة للقرار الإيراني بشكل شبه كامل، فضلا عن التبعية المطلقة للميليشيات الشيعية نفسها للقرار الإيراني! وبسبب معرفتهم بأن الرجل الأقوى في العراق فائق زيدان عراب رئيس مجلس الوزراء علي الزيدي، هو طرف رئيسي في المعادلة الإيرانية في العراق، وبالتالي لا يمكن التعويل عليه في مواجهة الإيرانيين في مسألة نزع سلاح الميليشيات، لأن الإيرانيين يملكون قدرة إزاحته من موقعه في أي لحظة!
قرار حل الميليشيات، أو نزع سلاحها، ليس قرارا عراقيا في النهاية، بل هو قرار إيراني
المعضلة هنا أن الجميع على يقين بأن شعار نزع سلاح الميليشيات وتفكيكها غير مطروح أصلا، فالعبارة التي استخدمت في العراق على مدى سنوات على الأقل (أي بعد تشريع قانون هيئة الحشد الشعبي في العام 2016) كانت عبارة «حصر السلاح بيد الدولة»، وهي عبارة عبثية لا معنى لها، بما أن هذا السلاح من الناحية الشكلية بيد الدولة، وهي التي تمول هذه الميليشيات، وتوفر لها الغطاء القانوني والسياسي، وهي التي تحصنها من أي ملاحقة أو معاقبة، والجميع يدرك أن هذه الميليشيات لا تأتمر بأوامر الدولة/ القائد العام للقوات المسلحة، بل تأتمر 90% منها بأوامر إيرانية مباشرة، ليس عقائديا فقط بوصفها ميليشيات تؤمن بعقيدة ولاية الفقيه وتعد ما يقوله المرشد الإيراني الأعلى أمرا واجب الطاعة دينيا، بل لوجستيا أيضا لارتباطها المباشر بالحرس الثوري الإيراني/ فيلق القدس. فيما تأتمر الـ 10% الأخرى بأوامر مرجعياتها الدينية (كما هو الحال ميليشيا سرايا السلام التابعة لمقتدى الصدر).
ثم استُعيض لاحقا عن هذه العبارة العبثية، بعد زيارة الجنرال قاآني قائد فيلق القدس إلى العراق، ورفضه لأي إجراء بنزع سلاح ميليشياته، بعبارة أكثر عبثا هي «تنظيم السلاح»، بدلا من حصره. ومن المهم هنا الإحالة إلى ما قاله نوري المالكي (الذي كان السبب الرئيسي في تحول هذه الميليشيات إلى بنى مؤسسية وسياسية) حين عد عبارة «فصائل منزوعة السلاح» قد تؤثر على نفسية هؤلاء!
قلنا في مقال سابق نشر بتاريخ 10 تموز/ يوليو 2026، ويومها كان الجميع يسوّق لنزع سلاح الميليشيات، بل جرت «استعراضات» شكلية بهذا الاتجاه، قلنا إن هذا مجرد خرافة، وإن «قرار حل الميليشيات، أو نزع سلاحها، ليس قرارا عراقيا في النهاية، بل هو قرار إيراني». وكررنا أكثر من مرة، في أكثر من مقال، أن الفاعل السياسي الشيعي لايزال ينظر إلى هذا السلاح بوصفه الضمانة الوحيدة لوهم «الحاكمية الشيعية»، وأن هذا السلاح مفتاح للمال والنفوذ يستحيل التخلي عنه طواعية!
لهذا كله لا يمكن نزع سلاح تلك الميليشيات أوتفكيكها إلاّ عبر تشريع يلغي قانون هيئة الحشد الشعبي، ويعيد إدماج أعضاء هذه الميليشيات المؤهلين، كأفراد وليس كمجموعات، على المؤسسات العسكرية والأمنية التابعة لوزارتي الدفاع والداخلية، وتوزيع غير المؤهلين منهم على الوظائف المدنية تبعا لمؤهلاتهم الدراسية، وأي قرار دون ذلك سيكون مجرد تمويه وخداع للإبقاء على تلك الميليشيات وسلاحها. وهو قرار لن تسمح إيران، ومن خلفها الفاعلون السياسيون الشيعة، بتمريره دون ضغط أمريكي مباشر، وعقوبات مالية واقتصادية وسياسية، ويأتي التهديد بالبلقنة في سياق هذا الضغط. لكن هذا كله يرتبط، بشكل كامل، بما ستؤول إليه الحرب الأمريكية الإيرانية؛ فالولايات المتحدة الأمريكية لاتزال تنظر إلى العراق بوصفه تابعا لإيران، وهي تعرف أنه سيكون بالضرورة جزءا من الأوراق الإيرانية في أي مفاوضات، وهو ما يجعلني شخصيا أشك بأن الأمريكيين قد يكونون على استعداد للتغاضي عن شرط نزع السلاح وتفكيك هذه الميليشيات إذا ما ضمنوا نزع مسيراتها وصواريخها حصرا، وضمنوا أنها لن تُستخدم كأداة إيرانية لضرب المصالح الأمريكية ودول جوار العراق مرة أخرى!
٭ كاتب عراقي

















0 تعليق