في اختصار، قد لا ينأى كثيراً عن اختزال لا مفرّ منه، تقول أحدث لافتات جاك أتالي الفكرية والفلسفية، ثمّ السياسية استطراداً: الامتنان هو شرط الديمقراطية، الأمر الذي لا يُبطل ضرورات الجحود بين حين وآخر. ولعلّ عنوان كتابه الأحدث، «فلسفة الامتنان: كُنْ شاكراً دائماً، وجاحداً أحياناً»، يعزز هذه الخلاصة ابتداء من العنوان ذاته؛ حتى قبيل استعراض فهرس الموضوعات (اضطراب العواطف، ماذا يعلمنا التاريخ، ماذا يقول الفنانون، الامتنان تجاه الآلهة، وتجاه القوى العظمى، والأجيال السالفة، وتلك اللاحقة، وتجاه الطبيعة، وعلاقة الامتنان بالجيو ـ سياسة والنزعات القومية، وبالعداء للسامية، ومبدأ التقدم، وكيمياء الامتنان…)؛ وتقليب الصفحات الأولى من مؤلف يمتدّ على 208 صفحات.
ولمَنْ ليست لديه، بعد، معرفة الحدود الدنيا الضرورية حول شخص أتالي، قد يفيد التذكير بأنه كاتب ومفكر واقتصادي فرنسي، يبلغ عمره اليوم 83 سنة، وهو في عداد الأبرز ضمن نخبة من المراقبين غير العاديين لخرائط التأزّم الاقتصادية والجيو- سياسية الكونية، أو تلك التي يثير شؤونها وشجونها في مؤلفات ذات ضجيج وأصداء. كذلك سبق للرجل أن عمل مستشاراً في حاشية الرئيس الفرنسي الأسبق فرانسوا ميتيران، فوقف على الكثير من خفايا السياسة الدولية خصوصاً في طور انهيار المعسكر الاشتراكي وحرب الخليج الثانية. وأتالي، على صعيد لا يقلّ أهمية، موظف رفيع عالي المنصب، سبق أن أدار أوّل بنك أوروبي موحّد وُضع تحت تصرّف وإدارة الاتحاد الأوروبي. أما العنصر الشخصي، الذي لا يجوز إغفاله وفق أيّ منطق سليم، فهو أنه يهودي الديانة، يراقب العالم بذلك النوع الحصيف، والمرتاب والمتنبّه، إلى نُذُر الكارثة؛ كلما ادلهمت سماء أو هبّت عواصف.
وعلى سبيل مثال أوّل، لعله كاشف وحمّال دلالات حول الطابع «الاختراقي» الذي تسعى إليه أفكار أتالي، كان في سنة 2010 قد أشاع السؤال الدراماتيكي التالي: هل نسير، جميعاً، نحو الخراب؟ ثمّ بادر إلى إصدار كتاب حمل روحية التطيّر ذاتها في العنوان: «هل سينهار كلّ شيء خلال عشر سنوات؟». يومها بلغت طبعة الكتاب الأولى 70 ألف نسخة، ليس لأسباب تخصّ علوّ كعب المؤلف في الاقتصاد السياسي؛ بل لأنّ توقيت نشر الكتاب كان حاسماً تماماً، لجهة التناغم مع حال الرعب العامة، الجَمْعية على نحو أو آخر، إزاء مآزق الاقتصادات الغربية، في المصارف والبورصات، كما في خزائن الدول وديونها العامة.
قبلها، في مثال ثانٍ، كان أتالي قد اعتبر أنّ السمة الجوهرية السائدة اليوم/ حينذاك هي «انهيار» Crash الحضارة الغربية، وليس «صراع» Clash هذه الحضارة مع سواها؛ في مساجلة خلافية مع نظرية صمويل هنتنغتون حول صدام الحضارات، التي كانت «موضة» تلك الأيام. ولقد ذهب إلى حدّ التكهن بأنّ الحضارة الغربية توشك على الانهيار، هكذا: «بالرغم من القناعة السائدة القائلة بأنّ اقتصاد السوق اتحد مع الديمقراطية لتشكيل آلة جبارة تساند وتُطوّر التقدّم الإنساني، فإنّ هاتين القيمتين عاجزتان عن ضمان بقاء أية حضارة إنسانية. إنهما حافلتان بالتناقضات ونقاط الضعف. وإذا لم يسارع الغرب، ثمّ الولايات المتحدة بوصفها قائدة الغرب المعيّنة بقرار ذاتي، إلى الاعتراف بنقائص اقتصاد السوق والديمقراطية وأزماتهما، فإنّ الحضارة الغربية سوف تأخذ في الانحلال التدريجي، ولسوف تدمّر نفسها بنفسها».
وفي كتابه الجديد، موضوع هذه السطور، يميّز أتالي بين الامتنان، بوصفه تجربة داخلية؛ وبين الشكر، إذْ يظل خارجياً ولا يرتقي بالضرورة إلى التعبير عن الامتنان؛ داعياً قارئه إلى تصنيف ما يتوجب عليه الامتنان له، (في مستوى العائلة أو الأصدقاء أو الأساتذة أو الأطباء أو الفنانين، أو الطبيعة، أو الحياة)؛ والتفكير، أيضاً، في اللحظات التي تجاسر خلالها على إبداء الجحود، وما إذا كانت تلك الممارسات قد أعانته بالفعل. وليس هذا التخطيط شكلياً فقط، خاصة وأنّ أتالي يذهب به إلى مستويات أكثر تعقيداً، سياسية واجتماعية واقتصادية وبيئية ورمزية، ذات صلة عموماً بعناصر وجودية أو مصيرية؛ بما يحيل إلى ثنائية العنوان الفرعي: كُنْ شاكراً دائماً، وجاحداً أحياناً.
جرائم الحرب الإسرائيلية، هي أبعد بكثير من مجرد سياسة «بيبية»؛ خاصة وأنّ مفردة الإبادة ذاتها ليست غائبة عن قاموس أتالي فقط، بل هي مغيّبة
وقد تبدأ من هنا معظم إشكاليات الأطروحة، والكتاب بأسره في الواقع، حين تُقام صلات مشروعة، بل مطلوبة في أمثلة كثيرة، بين مواقف أتالي الأخلاقية والفلسفية حيال السياسات الإسرائيلية عموماً، وحرب الإبادة الراهنة في قطاع غزّة خصوصاً، من جهة أولى؛ وبين ثنائية الامتنان/ الجحود، التي يدعو إلى تصنيفها في لوائح، من جهة ثانية؛ ليس، من جهة ثالثة لازمة، بمنأى عن كتلة آرائه في تفسير شيوع العداء للسامية، على أساس تاريخي وكلاسيكي أوروبي وآخر حديث ومعاصر وراهن في ضوء جرائم الحرب الإسرائيلية وتحولات الرأي العام العالمي؛ ثمّ في تأويل تراجع الاحتكار الصهيوني لموقع الضحية اليهودية الهولوكوستية إلى مصافّ خلفية، لم تعد قابلة للفصم عن عذابات فلسطينية تتقاطع مع تلك اليهودية.
صحيح أنّ أتالي طالب بوقف إطلاق النار في قطاع غزّة، وأنحى باللائمة على سياسات ائتلاف نتنياهو الحاكم واليمين الإسرائيلي المتطرف؛ ولكنه لم يفعل ذلك إلا من خلال زاويتين مترابطتين، حتى حين تتناقض الواحدة منهما مع الثانية: 1) النزعة الليبرالية، التي تبدأ من الاقتصاد وتمتدّ إلى مشاعر «الشفقة» و»الرأفة» و»الأنْسُنية»، تجاه عشرات آلاف الضحايا المدنيين من سكان القطاع؛ و2) الخشية على دولة الاحتلال الإسرائيلي، والكيان الصهيوني بمعنى وطن اليهود تالياً، من أفعال نتنياهو «الطائشة» أو «المغامرة» أو تلك التي تغلّب المصالح الشخصية والانتخابية على مصالح دولة الاحتلال وأمنها القومي.
وفي يقينه، لن يخرج الحلّ إلا عبر صناديق الاقتراع وإطاحة نتنياهو وائتلافه عن السلطة؛ في إغفال تامّ، هو أقرب إلى التجاهل المتعمد، لحقائق سياسات دولة الاحتلال على اختلاف الألوان السياسية والعقائدية لحكوماتها المتعاقبة. وضمن صياغات ثنائية الامتنان/ الجحود ذاتها، يبارك أتالي موقف فرنسا في الاعتراف بدولة فلسطينية، لكنه يجحد على شرائح واسعة من أبناء الشعب الفرنسي أنها تواصل تنويع مشاعر العداء للسامية في سياق تضامنها مع الحقوق الفلسطينية.
وهنا تعبير أمين عن خلاصة «فلسفة» أتالي تجاه قضية بالغة التعقيد مثل الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي: «كنتُ، منذ سنة 1967، معادياً لإبقاء جيش الدفاع الإسرائيلي في الأراضي التي تمّ اجتياحها، مع إدخال بعض التعديلات على الحدود. وآمنت على الدوام بأنّ الدولة اليهودية تخسر أكثر جيو ـ سياسياً وثقافياً واقتصادياً وأخلاقياً خاصة، حين تضع نفسها في موقع المحتل. واعتقدت دائماً أنّ المرء يمكن أن يكون صهيونياً ومؤيداً للفلسطينيين في آن معاً، على شرط التمييز بين الصهيونية، أي حقّ إسرائيل الذي لا يُنكر في الوجود، وبين الـ»بيبية» التي تغذي العداء للصهيونية والعداء للسامية والتي لا تخدم إلا في حماية بنيامين نتنياهو من السجن».
واللغة هنا، في غمرة إمساك أتالي بالعصا من منتصف يساوي بين الجلاد والضحية، لا تفلح في إخفاء الدلالات الأعمق حول استخدام تعابير أو مفردات مثل «جيش الدفاع» و»التعديلات على الحدود» و»الإبقاء» و»البيبية»، فضلاً عن قسر التوازي بين العداء للصهيونية والعداء للسامية… والرجل، استطراداً، لا يبدو مستعداً لتعميم أيّ تفاعل اعتدالي بين الامتنان والجحود حين يتصل الأمر بجرائم الحرب الإسرائيلية، وهي أبعد بكثير من مجرد سياسة «بيبية»؛ خاصة وأنّ مفردة الإبادة ذاتها ليست غائبة عن قاموس أتالي فقط، بل هي مغيّبة عن سابق قصد، بهدف أن يبقى القطاع أسير الجحود المعمم وحده.
٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس
- ماكلمور يعلن عن جولة “فلسطين حرة” بعد استبعاده من حفلات إد شيران
- أوتاوا ترد على الرئيس الأمريكي بأسلوبه: تغيير تسمية “جادة ترامب”
- حماس: خطاب نتنياهو بالأمم المتحدة “فارغ ومليء بالأكاذيب”
- “الحوثي” تتحدث عن هجومين على الرياض وينبع بصواريخ باليسيتية ومسيّرات
- نائب رئيس “الرئاسي اليمني” يدعو المجتمع الدولي لحماية باب المندب

















0 تعليق