مجنون بني عبس بين الحقيقة والتطبيل

منذ ساعة

يُروى أن الحجاج بن يوسف الثقفي التقى ذات يوم برجل من البادية، فسأله عن رأيه في والي الحجاز، فجاءت الإجابة صادمة: «لعنه الله ولعن من ولاه»، فسأله الحجاج: ويحك، أتعرف من أنا؟، فأجاب الرجل: ومن تكون؟ فقال له: أنا الحجاج، فارتعد الرجل خوفا، وأردف قائلا : وتعلم أنت من أكون أنا؟ أنا مجنون بني عبس، يصيبني الصرع في اليوم مرتين، وهذه واحدة منها.
غير معروف مدى صحة هذه الرواية، لكنها إن صحت تختصر حالة تتكرر كلما أصبحت السلطة أكبر من قدرة الناس على مواجهتها، فحين يصبح قول الحقيقة مخاطرة، يصبح من السهل أن يقال عن صاحبها إنه مجنون، أو متمرد، أو لا يفهم مصلحة البلد.
فمجنون بني عبس لم يكن يبحث عن بطولة، وإنما لأنه عرف كيف يقول ما يريد، ثم يبحث عن مخرج من ثمن الحقيقة، والمشكلة اليوم ليست أن الناس لا تعرف الحقيقة، وإنما أن كثيرا منهم يعرفها جيدا، لكنه يفضل الصمت عليها، أو يجد لها تفسيرا آخر، أو يحاول تحويل الخطأ إلى إنجاز.
ومن المفارقات أن تتحول عملية تقديم خدمة أو صرف مستحقات مالية للمواطنين إلى ما يشبه الإنجاز، الذي يُنسب إلى المسؤول، بينما هي في حقيقتها حق لأصحابها وواجب على المؤسسة المعنية أداؤه، فالمواطن لا يتلقى منّة حين تقدم له خدمة أو يحصل على مستحقاته، والمسؤول لا يتفضل عليه عندما يؤدي ما تفرضه عليه وظيفته.

إذا وصلنا إلى مرحلة نشكر فيها المسؤول لأنه أعاد للناس حقوقهم، فنحن أمام مشكلة أكبر من مجرد طريقة في التعبير، نحن أمام مجتمع بدأ ينظر إلى حقه وكأنه فضل من السلطة

وهذا مثال بسيط جدا، لكنه يكشف الكثير من علاقتنا بالدولة، فالواجب لا يصبح إنجازاً لمجرد أنه أُنجز، والحق لا يتحول إلى مكرمة لمجرد أن الوصول إليه تأخر، وإذا وصلنا إلى مرحلة نشكر فيها المسؤول لأنه أعاد للناس حقوقهم، فنحن أمام مشكلة أكبر من مجرد طريقة في التعبير، نحن أمام مجتمع بدأ ينظر إلى حقه وكأنه فضل من السلطة. وهنا يصبح السؤال مشروعا: متى أصبح المسؤول صاحب فضل لأنه أدى واجبه؟ فالدولة ليست شخصا، والوزير ليس الدولة، والمدير ليس الدولة، والحكومة ليست الدولة هؤلاء جميعا أشخاص ومؤسسات داخل الدولة، لكن الدولة أكبر منهم جميعا ويجب أن تبقى بعدهم. وقد تكون هناك رئاسة ووزارات وبرلمان وجيش وشرطة ومحاكم وسفارات وميزانيات وموظفون، ومع ذلك لا تكون هناك دولة قوية بالمعنى الحقيقي، فالدولة لا تقاس بعدد المؤسسات الموجودة، وإنما بقدرتها على العمل عندما يتغير الأشخاص. فالحاكم يذهب، والوزير يتغير، والمدير يستبدل، والحكومة يعاد تشكيلها، لكن المؤسسة يجب أن تبقى ، وإذا كانت المؤسسة تتوقف أو تتغير طريقة عملها بمجرد تغير الشخص الذي يجلس على رأسها، فهذه ليست قوة للمسؤول، وإنما ضعف للمؤسسة، وهنا يظهر الفرق بين من يريد بناء دولة ومن يريد بناء سلطة. من يريد دولة حقيقية، يبني مؤسسة تستطيع أن تعمل من دونه، بل تستطيع أن تقول له: لا عندما يخالف القانون. أما من يريد سلطة، فإنه يبحث غالبا عن مؤسسة تقول له: نعم، وعن موظف يعرف من يرضي قبل أن يعرف ماذا يقول القانون.
ومن هنا تبدأ عملية إضعاف الدولة، وهي لا تحدث دائما بصورة مفاجئة، أحيانا تبدأ من التعيين، عندما تصبح الوظيفة مكافأة للولاء بدلا من أن تكون للكفاءة.، وتكبر عندما تصبح الواسطة الطريق الأسرع للحصول على الحق، وتصبح أكثر خطورة عندما يصبح القانون انتقائيا، والمال العام وسيلة لصناعة الولاءات، والمؤسسات مجرد واجهات لأشخاص أقوى منها. ثم نسأل بعد ذلك: لماذا لا تتقدم الدولة؟، وكيف يمكن لدولة تستهلك مؤسساتها كل يوم أن تبني مؤسسات قوية للمستقبل؟ والأمر لا يتوقف عند السلطة وحدها، فالمجتمع نفسه يبدأ مع الوقت بالتكيف مع هذه الطريقة في إدارة الدولة فإذا كانت الواسطة تفتح الأبواب، يبحث الناس عن واسطة. وإذا كان الولاء يسبق الكفاءة، يبحث الناس عن الولاء. وإذا كانت القوة تحمي صاحبها أكثر من القانون، يبحث الضعيف عن قوة تحميه. ولذلك يجب أن لا نحمّل المواطن وحده مسؤولية سلوك صنعته البيئة التي يعيش فيها. كثيرا ما نسمع أن المجتمع قبلي وهوياته الفرعية تتفوق على المواطنة، وأن الفساد أصبح جزءا من حياة الناس، وأن المواطن لا يحترم القانون، لكن السؤال الذي يجب أن نسأله قبل كل ذلك: من الذي جعل الواسطة مفيدة؟ ومن الذي جعل الولاء طريقا إلى الوظيفة؟ ومن الذي جعل القانون عاجزا عن حماية الجميع بالطريقة نفسها؟ فلا يمكن أن تطلب من المواطن أن يكون أفضل من الدولة التي يعيش داخلها. إذا كانت الدولة تكافئ الواسطة، فسيتعلم الناس الواسطة، وإذا كانت تكافئ الولاء، فسيبحث الناس عن الولاء، وإذا كانت تحمي الأقوياء، فسيبحث الضعفاء عن قوة تحميهم. وإذا كان القانون يُهمل عندما يتعارض مع مصالح أصحاب النفوذ، فسوف يتوقف الناس تدريجيا عن الإيمان به، فالدولة تعلم المجتمع سلوكها قبل أن تطلب من المجتمع احترامها. الدولة القوية لا تخاف من النقد، لأن النقد يمكن أن يكشف الخطأ قبل أن يكبر، والقضاء الذي يعمل باستقلال لا يكون عدوا للحكومة، والصحافة التي تسأل ليست عدوا للدولة، والموظف الذي يرفض مخالفة القانون ليس متمردا، وهذه كلها مظاهر للدولة التي تحترم نفسها. أما الدولة التي يصبح فيها السؤال مشكلة، والنقد إساءة، والمطالبة بالحق خروجا عن المألوف، فهي دولة بدأت تختلط فيها حدود السلطة بحدود المجتمع، وقد تكون الحكومة قادرة على إصدار الأوامر، لكنها عاجزة عن بناء مؤسسة تستطيع الاستمرار من دونها، وقد تستطيع البقاء سنوات طويلة، لكنها لا تترك وراءها نظاما إداريا قادرا على العمل بالكفاءة نفسها بعد رحيلها. ولهذا ينبغي أن لا يكون السؤال: كم سنة حكمتم؟، بل الأهم هو: ماذا سيحدث للدولة عندما ترحلون؟
هل يستطيع المواطن الحصول على حقه من دون أن يعرف مسؤولا؟ هل يستطيع الموظف الوصول إلى موقعه لأنه كفؤ؟ هل يستطيع المواطن الذهاب إلى المحكمة وهو مطمئن؟ هل تستطيع المؤسسة أن تستمر عندما يتغير الوزير والمدير؟ وهل يستطيع الإنسان أن يقول إن هناك خطأ من دون أن يدفع ثمن قوله؟ لأن الدولة لا تقاس فقط بما تبنيه من أبنية، وإنما بما تبنيه من مؤسسات، ولا تقاس فقط بعدد القرارات التي تصدرها، وإنما بقدرة مؤسساتها على تنفيذها. ولا تقاس بعدد المسؤولين المحيطين بالحاكم، وإنما بقدرتها على العمل عندما يغيب الحاكم. وعندما تختزل الدولة بشخص الحاكم، يصبح بقاء الدولة مرتبطا ببقاء الشخص. وعندما تختزل المؤسسة بالمدير، يصبح نجاح المؤسسة مرتبطا به، وعندما يصبح المواطن بحاجة إلى شخص كي يحصل على حقه، فهذا يعني أن المؤسسة لم تعد تقوم بالدور الذي أنشئت من أجله. الدولة الحقيقية هي التي تبقى عندما يذهب الجميع، وأخطر معادلة يمكن أن يعيشها أي مجتمع هي أن تكون الحكومة قوية والدولة ضعيفة، فقد تنجح الحكومة في السيطرة على المؤسسات، لكنها تفشل في بناء مؤسسات تستطيع أن تستمر من دونها، وعندها لا تكون قد بنت دولة، وإنما بنت سلطة فوق مؤسسات هشة.
أن نعرف أن المال العام ليس مال المسؤول، وأن الوظيفة العامة ليست ملكا لمن يشغلها، وأن المواطن لا يعيش على المنّة، وأن أداء الموظف لواجبه لا يحتاج إلى تصفيق. نحتاج إلى دولة أقوى من الحكومة، ومؤسسات أقوى من الأشخاص، وقانون لا يحتاج المواطن إلى واسطة كي يصل إليه، وفي النهاية، سيذهب الجميع، سيغادر الحاكم مكتبه، والوزير وزارته، والمدير مؤسسته، وستبقى الدولة وحدها أمام امتحانها الحقيقي. فالحقيقة لا تصبح أقل حقيقة، لأن قولها مكلف، والواجب لا يصبح إنجازا لأن الناس صفقوا له، والحق لا يصبح مكرمة لأن الوصول إليه تأخر، تبقى الحقيقة، ويبقى السؤال: عندما يرحل الحاكم، ماذا سيبقى من الدولة؟

كاتب سوري

✎

فريق تحرير مصري فور نيوز

فريق التحرير في مصري فور نيوز — نتابع الخبر من مصادره ونقدّمه لك محرَّراً ومراجَعاً على مدار الساعة.

أخبار ذات صلة

0 تعليق