ما أبعاد التصعيد العسكري بين السعودية والحوثيين في اليمن؟

منذ ساعة

يبدو واضحا أن التصعيد العسكري بين المملكة العربية السعودية وميليشيا الحوثي في اليمن، قد انتقل إلى مرحلة جديدة أكثر اتساعا، مع تحرك المملكة إلى تعزيز التنسيق العسكري مع كل من تركيا وباكستان. فقد عقد رؤساء أركان الدول الثلاث اجتماعا في الرياض، في إطار اتفاقية مكة للدفاع المشترك، التي تنص على أن أي اعتداء على أحد أطرافها، يُعد هجوما على جميع الأطراف فيها.
والاجتماع أتى بعد لقاء ثلاثي تم في نيويورك، ضم وزراء خارجية السعودية وتركيا وباكستان، أكدوا فيه على حق الرياض في الدفاع عن أمنها، حسب بيان وزارة الخارجية السعودية. لكن السؤال الأهم ستبقى الاجابة عليه مفتوحة على عدة سيناريوهات، من بينها تعزيز التنسيق العسكري والاستخباراتي بين الدول الثلاث، رفع مستوى الجاهزية العسكرية، أو احتمال الانخراط العسكري المباشر من جانب تركيا وباكستان إلى جانب السعودية ضد الحوثيين، لكن ذلك له حساباته المُعقدة.
لا شك في أن الاجتماع الأخير لرؤساء أركان الدول الثلاث، بهذا المستوى وبهذا الشكل العلني، كان هدفه توجيه رسالة إلى الحوثيين ولمن يدعمهم، وهو الجانب الإيراني، بأن استمرار الهجمات لن يكون بلا ثمن، وهناك تحرك عملياتي وليس فقط من خلال الاجتماعات السياسية من قبل التحالف الثلاثي. لكن إرسال هذه الرسالة لا يعني بالضرورة، أنه ستلحقه تحركات عملية في اليوم التالي. إنما هو اعلان عن بدء هذه الصفحة. فالتقديرات العملاتية تعتمد على التطورات الميدانية. كما تعتمد أيضا على ما تطلبه المملكة العربية السعودية من الجانبين التركي والباكستاني.

كل من أنقرة وإسلام أباد خبرا الحروب ضد الميليشيات المسلحة.. وهم يعلمون أن الحوثيين ليسوا جيشا نظاميا، هم مجموعات مسلحة تحولت إلى حكومة وسيطرت على أجزاء من اليمن

لكن على مستوى إرسال الرسائل، هذا الاجتماع وجه رسالة واضحة للحوثيين والإيرانيين، بأن هجماتهم على السعودية ستكون عليها ردود قادمة، أيضا هذا يُمثل نوعا من أنواع الاختبار المباشر لهذا التحالف، رغم أنه لا يزال في شهوره الأولى. فالتصريحات المُهددة الصادرة عن الحوثيين، التي تقول إنهم سيردون بشكل حازم على تركيا وباكستان في حال تدخلهم إلى جانب السعودية، هو تحد للدول الثلاث المنظمة إلى التحالف، ما يدفعها لضرورة التعاون من أجل توجيه رسائل أكثر حزما، لكن هل التدخل المباشر على الأرض ضد الحوثيين ممكن في هذه المرحلة؟
إن منطوق اتفاقية التحالف بين السعودية وتركيا وباكستان، تُلزم الأطراف الثلاثة بتقديم كل ما هو ممكن للدفاع عن الطرف الآخر في حالة تعرضه للتهديد. إذن نظريا كل الخيارات مُتاحة بما في ذلك إرسال قوات عسكرية، أو المشاركة العملياتية المباشرة، لكن حتى الآن لم تطلب المملكة العربية السعودية ذلك، وعليه ليس هنالك من حاجة للتدخل المباشر في الوقت الراهن. ويبدو واضحا أن فحوى هذا الصراع هو أن هناك قوى تابعة للحكومة اليمنية المُعترف بها دوليا، تتقدم باتجاه الحوثيين، وهؤلاء يحاولون تحويل هذه المعركة إلى باب المندب، ومحاصرة الاقتصاد العالمي.. وأيضا تحويل الصراع إلى معركة مع السعودية، من خلال إطلاق الصواريخ البالستية والطائرات المُسيّرة على أهداف داخل المملكة. لكن المعركة الحقيقية في اليمن، هي أن الحوثيين لا يمثلون كل الشعب اليمني، بل يمثلون جزءا منه، وهم المؤيدون لهم، وهناك جزء آخر من الشعب اليمني يقاتلهم. إذن هناك معركة داخلية في اليمن، ولكون المملكة العربية السعودية تدعم هذا الطرف، فإن الحوثيين يحاولون الانتقام منها.
إن موقف تركيا وباكستان من السعودية هو الدعم الكامل وبكل أشكاله، إذا ما طلبت هي ذلك، لكن ما يجب الإشارة إليه هو أن كلا من أنقرة وإسلام أباد قد خبرا الحروب ضد الميليشيات المسلحة. وهم يعلمون أن الحوثيين ليسوا جيشا نظاميا. هم مجموعات مسلحة تحولت إلى حكومة وسيطرت على أجزاء من اليمن.
هذه المجموعات تعاملت باكستان مع ما يشبهها في حروب مريرة، في المناطق الحدودية خلال اخر عشرين عاما. تركيا ايضا تعاملت مع هذه المجاميع المسلحة من خلال معركتها مع حزب العمال، لذلك الاستعانة السعودية بتركيا وباكستان ليس بالضرورة إرسال جنود وطائرات. قد يقول البعض إن هناك تصريحات قد صدرت عن بعض المسؤولين في تركيا وباكستان، توحي بعدم الرغبة بالتورط في صراع مباشر في اليمن، وعليه كيف يمكن لهاتين الدولتين الوفاء بالتزاماتهما، المنصوص عليها في اتفاقية مكة، من دون التورط في هذا الصراع؟ يبدو أن هذا التصريح قد صدر عن طرف تركي وليس باكستاني، فإسلام أباد أكدت أنها جاهزة لما تطلبه السعودية، وهم ليسوا مرتبطين معها فقط باتفاقية مكة، بل بينهما اتفاقية دفاع مشترك تم توقيعها في عام 2025. لكن بشكل عام يمكن فهم التصريح التركي على أنه جزء من فهم الدولتين لهذا التحالف، من أن التدخل العسكري على أرض الميدان سيكون آخر الخيارات.
إن طبيعة الصراع في اليمن، لا شك في أن له أبعادا إيرانية، فاليمن هو آخر الساحات التي تحاول العقلية الإيرانية الحفاظ على مكتسباتها فيها، وما حدث في الحرب الأخيرة بغض النظر عما يحصل في مضيق هرمز، هو إعادة ترتيب الساحات التي كانت إيران تملك نفوذا كبيرا فيها، حيث تم فصل الجبهة اللبنانية إلى حد كبير، في سوريا لم تعد إيران موجودة فيها وخسرت كل نفوذها، وفي العراق باتت الضغوطات الأمريكية، خاصة الاقتصادية منها، مؤثرة بشكل كبير على نفوذ الميليشيات الموالية لإيران فيها. الساحة الوحيدة المتبقية لإيران بشكل فاعل هي اليمن، وما يملكه الحوثيون فيها من وسائل عسكرية، جاء بها الحرس الثوري الإيراني إليها، وهم يوجدون كمستشارين يديرون هذه الأسلحة، من أجل أهداف إيرانية وليس من أجل أهداف يمنية.
إن المؤشرات الواردة قد توحي باتساع دائرة المواجهة في اليمن، فقد أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، إرسال جنود لحماية ميناء ينبُع في المملكة العربية السعودية، وقال ماكرون (إن هذه الخطوة لا تهدف إلى الانخراط في الصراع القائم، وإنما تهدف إلى حماية موقع استراتيجي حيوي). خطوة فرنسا تأتي بعد أيام من إعلان بريطانيا موافقتها على تقديم دعم لوجستي عسكري للسعودية، يتمثل في إرسال طائرة بريطانية لتزويد المقاتلات السعودية بالوقود جوا. وقد حذرت ثمانون دولة من أن أي تقدم للحوثيين باتجاه مضيق باب المندب، سوف يهدد امن الملاحة والتجارة العالمية. وهو تحذير يشير إلى أن ذلك لن يكون بلا ثمن يدفعه الحوثيون إن خطو في هذا الاتجاه. كما حذر مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة من استمرار التصعيد العسكري في اليمن.

كاتب عراقي

✎

فريق تحرير مصري فور نيوز

فريق التحرير في مصري فور نيوز — نتابع الخبر من مصادره ونقدّمه لك محرَّراً ومراجَعاً على مدار الساعة.

أخبار ذات صلة

0 تعليق