ماذا حدث في بورصة اسطنبول؟

منذ ساعة

لعلها أخطر أزمة تتعرض لها أسواق المال والأعمال في تركيا منذ بداية القرن. تدور التخمينات حول نحو نصف مليون مستثمر في محافظ استثمارية تبخرت استثماراتهم، مقابل مبالغ خيالية تقدر بمليارات الدولارات اقتنصها عدد محدود منهم، فأفلست تلك المحافظ وباتت السلطة أمام مشكلة كبيرة من أعراضها الجانبية انسحاب مستثمرين أجانب من السوق، في الوقت الذي كانت السلطة تبذل جهوداً كبيرة لجذب الاستثمارات.
استناداً إلى شروحات خبراء أتراك يمكن تبسيط العملية التي جرت كما يلي: ثمة مجموعات صغيرة من المستثمرين قامت بشراء حصص في أسهم شركات معينة، مثلاً 10%، ثم بدأت المضاربة عليها، فيشتري «س» تلك الأسهم بزيادة معينة في سعر السهم، ليقوم صاحب الأسهم الأصلي «ص» بشرائها مجدداً بسعر ثالث أعلى من الثاني. ومن خلال تكرار عمليات البيع والشراء لنفس الأسهم بين الشخصين يرتفع سعر السهم، بصورة مصطنعة متفق عليها بين الجانبين، في وقت سريع. وحين يرى عامة الناس ممن يهتمون بالاستثمار في البورصة هذا الارتفاع السريع يزداد الإقبال على الشراء فيرتفع السعر أكثر وأكثر، ويجمع المستثمران «س» و»ص» مبالغ كبيرة يستطيعان التصرف بها لدفع ثمن أسهم من يريدون بيع أسهمهم. لقد تضاعف سعر السهم الواحد، لبعض الشركات المشاركة في هذه العملية، 520 ضعفاً خلال أقل من سنتين!
الضالعون في هذه العملية يعرفون متى ينسحبون منها. حين بلغت الأرباح أرقاماً فلكية انسحب عدد محدود من المستثمرين من السوق وهرّبوا أرباحهم إلى بنوك خارج تركيا. وإذ ارتفع عدد من يريدون الانسحاب، لم يبق لدى الجهة القائمة على العملية ما يدفعونه، فانفجرت الفقاعة، وبات تدخل السلطة لا مفر منه. فقامت باعتقال عدد من المسؤولين عن هذه العمليات، وبدأت التحقيقات القضائية معهم، في حين هرب آخرون إلى الخارج مع الأرباح التي حققوها. إنها شبيهة بعمليات جمع الأموال التقليدية المعروفة التي حدثت في مصر وسوريا، في عقود سابقة، وأدت إلى مآس اجتماعية، لكنها أكثر تعقيداً و»حداثة».

 تدور التخمينات حول نحو نصف مليون مستثمر في محافظ استثمارية تبخرت استثماراتهم، مقابل مبالغ خيالية تقدر بمليارات الدولارات اقتنصها عدد محدود منهم

ولكن أليس من المفترض أن عمليات البورصة خاضعة لرقابة حكومية؟ بلى، ثمة عدة هيئات حكومية في تركيا مهمتها مراقبة عمليات البيع والشراء في بورصة الأوراق المالية. وفي الحالة التي نتحدث عنها، تلك الهيئات، في أحسن الافتراضات، لم تقم بواجبها. وتشير المعلومات المتدفقة كل يوم في وسائل الإعلام إلى أن خبراء عديدين قد حذروا من الكارثة القادمة قبل أكثر من عام، لكن تلك الهيئات لم تحرك ساكناً.
الحكومة التركية الآن أمام مشكلة اجتماعية خطيرة، فهناك من المستثمرين الصغار، من غير الضالعين في المضاربة بصورة مباشرة، فقدوا مدخراتهم القليلة أو ما حصلوا عليه من بيع سيارتهم أو بيتهم ليستثمروها في تلك الأسهم. صحيح أن ما دفعهم إلى هذا السلوك هو عامل الجشع حين تراءى لهم أن بإمكانهم أن يكسبوا الكثير بلا أي جهد، وبالتالي يتحملون مسؤولية أفعالهم، لكن الدولة من واجبها أن تلاحق المضاربين وتستولي على أموالهم لإعادة توزيعها على أولئك المتضررين. على الأقل للتعويض عن تقصيرها في مراقبة ما كان يجري من مضاربة غير مشروعة.
فتركيا، حتى قبل هذه الكارثة، كانت تعاني من أزمة اقتصادية اجتماعية خانقة، تمظهرت في التضخم المنفلت وارتفاع معدلات البطالة ومظاهر التبذير الحكومي وغيرها. وقبل أيام كان ثمة وقفة احتجاجية للمتقاعدين أمام مبنى المحكمة الدستورية في أنقرة، قام أثناءها شرطي متقاعد بإطلاق النار على نفسه من مسدسه احتجاجاً على عجزه عن تلبية متطلبات عيش أسرته، فأصيب بجرح قاتل، نقل إلى المستشفى حيث لم ينفع التدخل الطبي في إنقاذ حياته.
ومن المحتمل أن تمتد آثار فضيحة البورصة إلى الحزب الحاكم، وخاصةً بعد استقالة إحدى نواب رئيس الحزب، وهي وزيرة سابقة، من منصبها في قيادة حزب العدالة والتنمية. فالتوقعات في الرأي العام تدور حول حصول ضالعين في المضاربة على حماية من بعض مستويات السلطة، وذلك بالنظر إلى سير بعض المتورطين في علاقتهم بالحزب الحاكم.
وجاء هذا الحدث في وقت تستعد فيه السلطة لتمهيد الطريق أمام انتخاب أردوغان لفترة رئاسية جديدة، بعد استنفاده لفرصه الدستورية. هذا ليس افتراضاً، بل أعلن عنه مستشار الرئيس «محمد أوجوم» ووزير العدل «آكن غورلك» في تصريحين تفصل بينهما بضعة أيام فقط. بل إن أردوغان نفسه تحدث أمام حشد من مؤيديه عن «وجوب التكاتف من أجل التغلب على عقبة الانتخابات القريبة القادمة». هذه الصيغة الغريبة التي اعتبر فيها الانتخابات القادمة «عقبة» كشفت عن خشيته من صعوبة فوزه في الانتخابات القادمة. كما كشفت عن خططه بشأن انتخابات مبكرة هي السبيل الوحيد ليتمكن من الترشح مرة أخرى، باستغلال ثغرة في المادة الدستورية ذات الصلة. فالموعد العادي للانتخابات هو شهر أيار من العام 2028. واقترح مستشاره تقديم هذا الموعد ثلاثة أسابيع إلى منتصف نيسان من العام نفسه. ويتطلب إصدار قرار بتقديم الانتخابات إلى موافقة 360 نائباً في البرلمان لا يملكه الحزب الحاكم ولا تحالفه مع حزب الحركة القومية. وقد قامت السلطة بالضغط على نواب عديدين من أحزاب أخرى لينتقلوا إلى عضوية «العدالة والتنمية»، إضافة إلى رؤساء بلديات منتخبين من حزب الشعب الجمهوري تم ابتزازهم برفع دعاوى قضائية ضدهم فاستقالوا من حزبهم وانضموا إلى الحزب الحاكم. لكن كل هذه العمليات لن تمنح السلطة العدد المطلوب من النواب. وسيحتاج إلى أصوات نواب إضافيين من أحزاب معارضة، والعين على حزب المساواة والديمقراطية (الكردي) الذي من المحتمل أن يتم الضغط عليه، بواسطة أوجالان، للتصويت بالموافقة على تقديم موعد الانتخابات مقابل المضي في العملية السياسية الجارية تحت عنوان «تركيا خالية من الإرهاب».
أما إذا ضمن أردوغان تقديم موعد الانتخابات، سيبقى عليه الفوز فيها على مرشح المعارضة. وبعدما تخلص من أقوى منافسيه ممثلاً في أكرم إمام أوغلو، وشق حزب الشعب الجمهوري بقرار قضائي، فالعمل جار الآن على المنافس الآخر ممثلاً برئيس بلدية أنقرة منصور ياواش. وفي خطوة مفاجئة أعلن ياواش استقالته من حزب الشعب الجمهوري في أعقاب لقاء جمعه مع الرئيس أردوغان!
فهل يقلب انفجار بورصة إسطنبول كل الحسابات السياسية رأساً على عقب؟

٭ كاتب سوري

✎

فريق تحرير مصري فور نيوز

فريق التحرير في مصري فور نيوز — نتابع الخبر من مصادره ونقدّمه لك محرَّراً ومراجَعاً على مدار الساعة.

أخبار ذات صلة

0 تعليق