«حديث البدايات» لمي مظفر… سحر لحظات الوعي الجمالي العراقي

منذ ساعة

تدخل مي مظفر عالم الفن التشكيلي من موقع الكاتبة التي خبرت السرد، والناقدة التي عاشت في هذا الوسط وعرفت أسراره وأسئلته وتحولاته. في كتابها الصادر عام 2026 «حديث البدايات مع الرسامين العراقيين الأوائل».
لعل «البدايات» في العنوان هي المفتاح الأول للكتاب. فالمقصود ليس بدايات الأشخاص وحدهم: متى رسموا؟ ومن علّمهم؟ وكيف دخلوا محترف الفن؟ بل بدايات وعي جمالي عراقي، كان يبحث عن صورته الخاصة وسط تحولات اجتماعية وثقافية وسياسية متلاحقة. لذلك تتحول الشهادة الفردية في الكتاب، من حيث لا تبدو كذلك للوهلة الأولى، إلى جزء من سيرة جماعية. ومي مظفر مؤهلة لهذه المهمة على نحو خاص.. فهي قاصة وروائية وناقدة تشكيلية، أي إنها تقرأ اللوحة، وفي ذاكرتها خبرة اللغة والسرد وبناء الشخصية والتقاط التفصي، هنا تكمن إحدى ميزات الكتاب الأساسية.
تروي مي في مقدمتها: أن الفنان والمصمم والمصور ناظم رمزي، اقترح عليها آنذاك أن تجري مقابلة مع الفنان شاكر حسن آل سعيد لتوثيق سيرته الفنية، تمهيداً لإجراء مقابلات لاحقة مع أوائل الفنانين العراقيين الذين أسهموا في وضع أسس الحركة التشكيلية الحديثة. كانت الفكرة كبيرة بالنسبة إلى كاتبة لم تكن قد خاضت مثل هذه المهمة من قبل.. تقول إنها ترددت في البداية، وشعرت بأنها أمام مسؤولية لم تكن مهيأة لها في تلك المرحلة. لكن ما بدّد ترددها أن شاكر حسن آل سعيد نفسه اختار أن تتحاور معه. وكانت تلك الثقة، على ما يبدو، هي الدفعة الأولى التي نقلت المشروع من الاقتراح إلى التنفيذ. غادر ناظم رمزي العراق ليستقر في إنكلترا، فتوقف المشروع برمته، وهنا لا يبدو التوقف مجرد واقعة شخصية، بل يكاد يلخّص جانباً من تاريخ الثقافة العراقية نفسها، حيث انقطعت مشاريع كثيرة بسبب الرحيل والمنفى وتبدّل الأمكنة والظروف، لكن الفكرة لم تمت.

من هنا يمكن قراءة الكتاب اليوم بوصفه عملاً يقع في منطقة خصبة بين النقد والسيرة الشفوية والتاريخ الثقافي. وهذه المنطقة هي التي تمنحه خصوصيته، حتى لوحة الغلاف للفنان زيد محمد صالح زكي تبدو منسجمة مع هذه الروح. تبدو مي مظفر فيه قد أصغت جيداً، ثم حفظت أصوات الفنانين بالكلمات والصور. وبعد مرور الزمن نكتشف أن ما حفظته ليس حديثاً عن الماضي، إنما هو محاولة لرصد التجارب الإبداعية الرائدة، واستعادة للأيام والأحلام والذكريات، كما هي في الوقت نفسه، واحدة من صفحات الفن العراقي، وقد أدركها الغياب، من طول ما بعدت عنا ونأت، إنها الحروف الأولى والألوان والخطوط وسحر اللحظات السعيدة.. وهي التواريخ والصور الجميلة لماضٍ توقظه ميّ بلمسات تغري بالعودة دائماً إلى تلك البدايات. التي تعود إلى عام 1976.

استكملت مي مظفر مهمتها، من خلال الفنان عيسى حنا، اصطحبها لزيارة الفنانين الرواد، بدءاً بالفنان سعاد سليم، ثم الفنان حافظ الدروبي. وتصف نتيجة اللقاء مع عيسى حنا نفسه بعبارة شديدة الدلالة: كان الحديث معه «خير محفز للذاكرة والذكريات»، حتى بلغ ذروة استعادة ما بقي في ذاكرته المتقدة.
كان، كما تصفه مي، واحداً من المراجع المهمة لنشأة الحركة الفنية الحديثة في العراق، فضلاً عن كونه زميل الفنان الرائد جواد سليم منذ الدراسة الابتدائية، ثم عضواً في جماعة الرواد التي تأسست سنة 1950 برئاسة فائق حسن. لكن أهمية عيسى حنا لم تكن في الرسم وحده، بل كان مصوراً بارعاً يمتلك أرشيفاً غنياً، وهو ما جعل صداقته ومعرفته بالجيل الأول معيناً مهماً لإعادة المشروع إلى الحياة.
في فصل المقابلات نلتقي: مديحة عمر، شاكر حسن آل سعيد، خلدون الحصري. ليست هذه الأسماء متجاورة مصادفة إنها تمثل مسارات مختلفة في تاريخ الحداثة الفنية العراقية، ومن خلالها يصبح الكتاب أشبه بشاشة عرض تنطلق الأصوات منها تباعاً، وكل صوت يحمل معه تصوراً مختلفاً للفن والعالم.
لعل الحديث مع شاكر حسن آل سعيد يحتل موقعاً لافتاً في هذا السياق، لأنه من أكثر الفنانين العراقيين اشتغالاً بالفكر والتنظير. أما حافظ الدروبي فيستحضر زمناً آخر من أزمنة الرسم العراقي، زمن المدينة والمقهى والشارع والحركة اليومية، فيما تحضر مديحة عمر بوصفها واحدة من التجارب المبكرة التي تنبهت إلى الطاقة التشكيلية الكامنة في الحرف العربي، قبل أن تتحول الحروفية إلى تيار واسع في الفن العربي الحديث. وهكذا لا يقدم الكتاب سلسلة أسماء، بل شبكة من الاتجاهات التي صنعت تعددية المشهد العراقي.

ثم نقرأ عن مشكلة الرسم العراقي المعاصر، عند محمود صبري، وعن الفن العراقي المعاصر في بيروت، لجبرا إبراهيم جبرا، وعن أزمة الفنان العراقي المعاصر، وتأملات في معرض الرواد، وقراءات في تجربة شاكر حسن آل سعيد، وحواراً لوضاح فارس مع كاظم حيدر. فضلاً عن مقالات تتصل بالفن والشعر والتصوير. ثم حملتها المصادفات والأسفار إلى أصوات أخرى. في عمّان أجرت مقابلة مع خلدون الحصري، الناقد الفني والمخرج المثقف، الذي كان قريباً من جواد سليم منذ الطفولة ويمتلك مجموعة كبيرة من أعماله. وفي عمّان أيضاً التقت الفنانة مديحة عمر، فكانت فرصة نادرة لتسجيل شهادتها.
إن «حديث البدايات» هو، في جوهره، حديث ضد النسيان. لتقول لنا إن تاريخ الفن لا تصنعه اللوحات وحدها، بل تصنعه أيضاً الحكايات التي بقيت وراءها، والصداقات التي أحاطت بها، والأسئلة التي وُجّهت إلى أصحابها في الوقت المناسب. لعل أكثر ما يمنح حوارات مي مظفّر حيويةً وصدقاً، أنها كانت عفوية، صادقة، جرت في أجواء حميمية، كان فيها حضور رافع الناصري، وهو الفنان العارف بتاريخ الحركة التشكيلية وأجيالها، يثري الحديث بمداخلاته وأسئلته ويعيد الذاكرة أحياناً إلى تفصيل نسيه المتحدث أو كاد. غير أن القيمة الاستثنائية لهذه الحوارات تكمن، في تقديري، في التلقائية التي تركت الفنانين يتحدثون باللهجة العراقية الدارجة. فالعامية هنا ليست تنازلاً عن فصاحة الكتابة، وإنما أمانة للذاكرة.
عادوا بنا إلى بغداد في العقود الأولى من القرن العشرين إلى أحيائها القديمة وأزقتها، وبيوتها، وأهلها. إلى زمن لم يكن الرسم فيه قد استقر بعد، بوصفه معرفة لها مؤسساتها ومعلموها وأدواتها المتاحة. كانوا أطفالاً يريدون أن يرسموا قبل أن يعرفوا تماماً ما الرسم، ويبحثون عن وسائله في بيئة لم تكن قد وفّرت لهم ما سيصبح لاحقاً من بديهيات التشكيل.

كاتب عراقي

✎

فريق تحرير مصري فور نيوز

فريق التحرير في مصري فور نيوز — نتابع الخبر من مصادره ونقدّمه لك محرَّراً ومراجَعاً على مدار الساعة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق