خلال القرن العاشر الميلادي كانت أوروبا تعاني من الفوضى وصراعات النبلاء البينية، وصراعات الملوك والبابوات، عدا عن موجات الجفاف والفقر، وهو الأمر الذي شكل الدافع الاقتصادي والسياسي للحملات الأوروبية، ضد المشرق الإسلامي، والتي سميت في المصادر التاريخية المسيحية باسم «الحروب الصليبية». في 27 نوفمبر 1095 دعا البابا أوربان الثاني إلى حماية «مهد المسيح»، واستعادة بيت المقدس من يد المسلمين «الكفار»، وتحت هذه الدعوة انطلق مئات الآلاف خلال قرنين من الزمن في حروب متواصلة، بدأت بالحملة الصليبية الأولى التي انطلقت، بعد عام من دعوة البابا، وذلك سنة 1096، في حروب، ضد المسلمين في مصر والشام، بشكل خاص، قبل أن تنتهي هذه الحملات، رسمياً عام 1291، بعد استعادة المماليك المسلمين لآخر القلاع الصليبية في عكا، الأمر الذي اضطر فلولهم إلى الهروب عبر البحر، إلى جزيرة قبرص.
بعد الحملة الصليبية الأولى التي نجحت في احتلال القدس، وتحديداً عام 1119، تشكلت ميليشيات دينية، في القدس، باسم «فرسان المعبد»، وكان الهدف المعلن لها هو «حماية المقدسات والحجاج المسيحيين، ونالت دعم واعتراف الملوك والبابوات حينها، وكانت تلك الميليشيات تتبع مباشرة للبابا، لا للملك، وقد جمعت قوة عسكرية واقتصادية هائلة، جعلتها فوق الملوك، بل وأحياناً تعارض البابا، ووظفت شبكات مالية ضخمة، تمتد من الممالك الأوروبية إلى الممالك المسيحية في الشام، باسم الصليب والمسيحية والمعابد المقدسة، والحجاج المسيحيين.
بعد انسحاب الصليبيين من آخر قلاعهم في عكا، شكل «فرسان المعبد» مشكلة دينية وأمنية للممالك الأوروبية، وخاصة في فرنسا التي شكلوا فيها «دولة داخل الدولة»، بعد أن امتلكوا كثيراً من الموارد الاقتصادية والحصون والقلاع والجيوش والدعم الشعبي، الأمر الذي على إثره تعاون البابا مع ملك فرنسا، للتخلص منهم، بعد صدامات عنيفة، قبل أن يتم حل هذه الميليشيا – نهائياً – سنة 1312.
وبقفزة سريعة من القرن العاشر الميلاد إلى القرن الحادي والعشرين يطالعنا شعار ديني براق هو «لن تسبى زينب مرتين»، الذي ظهر عام 2013، متزامناً مع تدخل ميليشيات لبنانية وعراقية، ولاحقاً أفغانية وباكستانية، في سوريا، تحت هدف معلن هو «حماية المراقد» الشيعية في سوريا، وتطهيرها من «دنس السنة النواصب»، وهو الهدف الذي يعد معادلاً موضوعياً للهدف الصليبي القديم، في «تطهير مهد المسيح من دنس المسلمين الكفار»، ليصبح التناظر جلياً بين «فرسان المعبد» الصليبيين الذين غزوا بلاد الشام، من أنحاء أوروبا، تحت غطاء ديني مسيحي، و»حراس المرقد» الشيعة الذين غزوا سوريا، من أنحاء آسيا، تحت غطاء شيعي.
وكما كان «فرسان المعبد القدماء» ميليشيات دينية مسيحية، عابرة للحدود، تأتمر مباشرة بأمر المرجعية الدينية الكاثوليكية، فإن «حراس المرقد المعاصرين» يعدون ميليشيات طائفية شيعية، عابرة للحدود، وتلتزم بأمر المرجعية الدينية الشيعية، سواء في العراق أو في إيران، دون أن يغيب عنا الهدف الحقيقي للتنظيمين الدينيين، والمتمثل في السيطرة «على بلاد السمن والعسل» التي وعدتها «المرجعية الكاثوليكية» لمن يقاتل في سبيل المعبد والمسيح، وهي ذاتها البلاد التي وعدتها «المرجعية الشيعية» لمن يقاتل في سبيل المرقد والحسين.
كما كان «فرسان المعبد القدماء» ميليشيات دينية صليبية، تأتمر مباشرة بأمر المرجعية الكاثوليكية، فإن «حراس المرقد المعاصرين» يعدون مليشيات طائفية شيعية، تلتزم بأمر المرجعية الشيعية
ولإجمال المشهد يمكن رصد الثنائيات التقابلية التي تجلي حقيقة التنظيمين الدينيين اللذين ارتكبا جرائم لا تخطر على البال، باسم الدين والمقدسات، وهنا تظهر ثنائيات: فرسان المعبد/حراس المرقد، البابا الكاثوليكي/المرجعية الشيعية، تطهير المعبد/تطهير المرقد، المسيح المصلوب/الحسين الشهيد، مريم العذراء/فاطمة البتول، لأجل المسيح/لأجل الحسين، أورشليم/كربلاء، وغيرها من الثيمات التي تم تصميمها للتجييش والتحشيد، سابقاً لنصرة المسيح، ولاحقاً، لنصرة الحسين، على المستوى الشعاراتي، ثم للسيطرة على «بلاد السمن والعسل»، وهو الهدف الحقيقي لحروب «فرسان المعبد» القدماء، و»حراس المرقد» المعاصرين.
ومع كل ذلك التحشيد القديم والمعاصر، باسم المعابد والمراقد فإن التاريخ لم يسجل أي حادثة انتهاك إسلامي، ضد كنيستي المهد والقيامة في القدس، وهو ما بنت عليه الدعاية البابوية مبررات تجييشها للحرب، وذلك أن المسلمين، على اختلاف مذاهبهم الدينية، ودولهم وإماراتهم كانوا يحترمون تلك الأماكن الدينية، ناهيك على إجلال جميع المسلمين لشخصية السيد المسيح الذي حظي بتبجيل كبير في نصوص القرآن والحديث، على السواء.
الشيء ذاته يمكن أن يقال عن الحماية التي كان يحظى بها مقام السيدة زينب في سوريا، من قبل الدول المختلفة التي تولت الحكم هناك، دون أن يتعرض هذا المقام وغيره من مقامات في دول عربية مختلفة لأي نوع من أنواع الانتهاك الذي بموجبه بررت الدعاية الدينية والسياسية للنظام الإيراني تدخلاتها في كل من سوريا والعراق، والتي باسمها حدثت جرائم على يد «حراس المرقد» المعاصرين، لا تقل خطورة عن تلك التي نفذها نظراؤهم «فرسان المعبد» القدماء.
ومن أوجه التشابه أن «فرسان المعبد» كانوا يتمتعون باستقلالية مالية وإدارية، ورفعت عنهم الضرائب، وسمح لهم بجباية الأموال خارج إطار سلطات الدولة، ورُفعت عنهم سلطة الملوك والأمراء والقساوسة، لأنهم يتبعون سلطة البابا مباشرة، وهذا يذكرنا بالشركات الوهمية التي باسمها اهتبلت الميليشيات الشيعية المليارات، بعيداً عن سلطة الدولة المركزية، وبالشعارات ذاتها التي جبتْ بها الميليشيات المسيحية الأموال من الناس، في تشابه عجيب، يستحق المزيد من البحث والدراسة.
ومع هذا التشابه الذي يكاد يصل حدَّ التطابق بين التنظيمين: الشيعي والكاثوليكي، يمكن أن يطرح سؤال مهم: هل استلهمت العقلية التي أنتجت ميليشيات «حراس المرقد الشيعة»، من حشد شعبي، وحزب الله، وفاطميين وزينبيين، وغيرها، هل استلهمت تلك العقلية فكرة «فرسان المعبد الكاثوليك»، عند تخطيطها لبناء تلك الميليشيات المعاصرة؟
وسؤال آخر، وبما أن الميليشيات المعاصرة أصبحت في بعض الدول العربية توصف بأنها دولة داخل دولة، تماماً، كما كانت ميليشيات «فرسان المعبد» توصف، فهل يمكن أن يتم التخلص من الميليشيات المعاصرة، بالطريقة ذاتها التي تم بها التخلص من الميليشيات القديمة؟ مع العلم أن «فرسان المعبد» قد تم التنكيل بهم، وتمت ملاحقتهم، من خلال محاكم التفتيش الرهيبة، إلى أن تم القضاء عليهم، بشكل كلي، وبالأسلوب ذاته الذي ساعد على بنائهم، وهو تحالف الملك والبابا، في حينه.
٭ كاتب يمني
















0 تعليق