هرع رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس، يوم الخميس 24 سبتمبر وراء رئيس وزراء الكيان الإسرائيلي مجرم الحرب نتنياهو، بعد أن تحدث في قاعة شبه فارغة، وأخذه بالأحضان أمام الكاميرات، في وقت كان الجميع يتجاهل نتنياهو. ثم عقد اجتماعا معه علما أن رئيس الوزراء اليوناني لم يعقد اجتماعات لافتة أخرى. لقد تعرض ميتسوتاكيس لانتقادات حادة من أحزاب المعارضة اليونانية، ومنظمات المجتمع المدني وحقوق الإنسان والصحافة. وفي بيان لأحد الأحزاب جاء فيه: «على رئيس الوزراء أن يتوقف عن الحديث عن القانون الدولي». منظر يثير السخرية أمام خروج ممثلين عن 77 دولة عدا المتغيبين أصلا حتى لا يضطروا للانسحاب. أما من كانوا في القاعة فهم من رتب متدنية إلا بعض الدول مثل اليونان وأمريكا وإثيوبيا والأرجنتين، وبعض دول أوروبا الشرقية. ممثلو المغرب والإمارات والبحرين اختاروا كذلك البقاء في القاعة. وأسلط الضوء هنا على التحول الجذري لليونان من دولة قريبة جدا من العرب وقضاياهم إلى حليف استراتيجي للكيان الصهيوني.
التقارب اليوناني الإسرائيلي
ثلاث دول غير عربية ظلت ترفض الاعتراف بالكيان الصهيوني إلى أن بدأ العرب، ومنهم الفلسطينيون، يتعاملون مع إسرائيل سرا وعلانية، ويقتربون من الاعتراف بإسرائيل بعد أن تم اختراق الوضع العربي باتفاقية كامب ديفيد عام 1979: إسبانيا والهند واليونان. فقد اعترفت اليونان بإسرائيل عام 1990، وكذلك اعترفت الهند بإسرائيل في السنة نفسها وتبادلت معها السفراء عام 1992، أما إسبانيا فأقامت علاقات دبلوماسية مع إسرائيل عام 1986. لكن المفارقة أن تأييد فلسطين وحقوق الشعب الفلسطيني ظل مرتفعا جدا في اليونان وإسبانيا بينما ارتفع تأييد إسرائيل في الهند بشكل غير مسبوق بعد انتخاب نارندرا مودي في مايو عام 2014 ليصل إلى نحو 56% وهي أعلى من نسبة تأييدها في الولايات المتحدة.
موقف الشعب اليوناني مختلف تماما عن حكومته. فتأييد الحقوق الفلسطينية لدى الجماهير ومنظمات المجتمع المدني في اليونان قوي جدا، سواء من حيث المشاعر العامة أو النشاط في الشارع
في اسبانيا هناك تأييد عارم لفلسطين من الحكومة والشعب، أما في اليونان فالصورة مغايرة فهناك ارتماء في أحضان إسرائيل من الحكومة، رغم التأييد العظيم للشعب الفلسطيني من قبل الجماهير اليونانية يصل إلى نحو 80%. فما هي الحكاية؟
بعد الاعتراف بإسرائيل رسميا عام 1990 بدأت إسرائيل تتسلل إلى مفاصل السياسة اليونانية من بوابة قبرص، فرغم أن العرب جميعا لم يعترفوا بانفصال قبرص التركية عن جزيرة قبرص اليونانية، رغم أنها كيان مسلم، إلا أن التوجس اليوناني من تركيا وقوتها العسكرية الطاغية استخدم مبررا للتقارب مع إسرائيل. وقد استغلت اليونان كذلك توتر العلاقات التركية الإسرائيلية بعد حادثة سفينة «مافي مرمرة» عام 2010 وسقوط عشرة شهداء أتراك وسحب السفير التركي من إسرائيل، فعززت علاقاتها مع إسرائيل وأنشأ البلدان عام 2012 «مجلس التعاون الوزاري المشترك» للتعاون في مجالات الطاقة والاستثمار والاقتصاد والأمن والتدريبات العسكرية. ثم ما لبثت قبرص أن انضمت لهذا التحالف عام 2016 وأصبحت الدول الثلاث تنسق في ما بينها، خاصة في ما يتعلق بالأمن والقدرات العسكرية. لقد تحولت قبرص تدريجيا إلى شبه مستوطنة إسرائيلية حتى إن بعض القبارصة رفع شعار تحرير قبرص من الاستيطان الإسرائيلي. وقد هدد الشهيد حسن نصر الله قبرص أثناء الاشتباكات بين حزب الله وإسرائيل عام 2024 أنها ستكون مستهدفة لو انطلقت منها طائرات سلاح الجو الإسرائيلي باتجاه لبنان.
وما أثار حفيظة اليونان توقيع تركيا لاتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع ليبيا في نوفمبر 2019. ثم نشر قوات تركية في يناير 2020 لدعم حكومة الوفاق الوطني المعترف بها دوليا. وهو ما أثار تخوفات في مصر والإمارات العربية، حيث حدث تقارب مع التحالف الثلاثي القبرصي الإسرائيلي اليوناني، بل إن الإمارات شاركت في مناورات جوية مع الدول الثلاث في 23 أبريل 2021. في أبريل 2026 وقعت إسرائيل واليونان صفقة سلاح بقيمة 750 مليون دولار لتزويد اليونان بصواريخ إسرائيلية. وفي أغسطس 2026 وقعت الدولتان اتفاقا بقيمة 3.1 مليار يورو لإنشاء منظومة دفاع جوي متعددة الطبقات والتكنولوجيات، معتمدة على أنظمة الدفاع الإسرائيلية. وقد أعلن البلدان أن العلاقات بينهما دخلت مرحلة تحالف استراتيجي. بعد أحداث 7 أكتوبر 2023، أعلنت اليونان دعمها لإسرائيل وحقها في الدفاع عن نفسها، لكنها في الوقت نفسه دعت إلى حماية المدنيين والالتزام بالقانون الدولي الإنساني، وإيصال المساعدات إلى غزة. وظل الموقف اليوناني يراوح حول مقولة حل الدولتين وإقامة دولة فلسطينية على أساس حدود ما قبل 1967 مع القدس الشرقية عاصمة لها.
موقف الشعب اليوناني
موقف الشعب اليوناني مختلف تماما عن حكومته. فتأييد الحقوق الفلسطينية لدى الجماهير ومنظمات المجتمع المدني في اليونان قوي جدا، سواء من حيث المشاعر العامة أو النشاط في الشارع. ففي استطلاع مركز بيو (PEW) للأبحاث لعام 2026 الذي شمل 36 دولة، كانت لدى 65% من اليونانيين صورة سلبية لإسرائيل، مقارنة بـ 30% لديهم صورة إيجابية عن إسرائيل. ومن بين اليونانيين الذين تتراوح أعمارهم بين 18ـ 34 عاما، وصلت النظرات السلبية لإسرائيل إلى 76%.
وفي استطلاع يوناني خلال الحرب على غزة عام 2024، وافق 13.5% من اليونانيين على التحالف مع إسرائيل. ونجد في الاستطلاع نفسه أن 80.4 % يعتقدون أن حرب الشرق الأوسط زادت من خطر الهجمات الإرهابية في أوروبا.
انطلقت المظاهرات في المدن اليونانية بشكل متواصل تأييدا لفلسطين وإدانة لإسرائيل. ففي أغسطس 2025، قامت النقابات العمالية وجماعات أخرى بالتظاهر في ميناء بيرايوس ضد رسو سفينة سياحية إسرائيلية، وكان المتظاهرون يحملون الأعلام الفلسطينية ويطالبون باتخاذ إجراءات بشأن غزة. كما شهدت أثينا ومدن يونانية أخرى تظاهرات كبيرة ردا على حرب غزة. ووصفت التقارير الدولية الرأي العام اليوناني بأنه أكثر تعاطفا مع القضية الفلسطينية مقارنة بسياسة الحكومة تجاه إسرائيل. رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس، في خطابه أمام الجمعية العامة يوم الخميس 24 سبتمبر عاد وأكد الموقف المكرر من حل الدولتين والمعاناة الإنسانية في غزة. أسطوانة مشروخة يكررها المتحالفون مع إسرائيل لتلطيف الأجواء في بلدانهم. لكن رئيس الوزراء ميتسوتاكيس ما فتئ يكرر أن اليونان لديها شراكات استراتيجية قوية مع إسرائيل. وبودنا أن نعرف كيف يستقيم الاثنان. ألا يرى رئيس الوزراء حجم الاستيلاء على الأراضي الفلسطينية وتوسيع المستوطنات وهجماتهم على الفلسطينيين ما دعا الأمين العام غوتيريش إلى أن يصف ما يجري بأنه أقرب إلى التطهير العرقي.
ببساطة هناك تيار قوي وواضح وصلب من الشعب اليوناني مؤيد للفلسطينيين خصوصا في ما يتعلق بمعاناة المدنيين الفلسطينيين، والدولة الفلسطينية، ومعارضة الأعمال الإسرائيلية في غزة والضفة الغربية. ولا نعرف أيضا إذا كانت اليونان تفتخر بديمقراطيتها العريقة لكنها لا تمثل شعبها في ما يتعلق بفلسطين وإسرائيل. فكيف يتقيم الاثنان.
والحقيقة التي يجب أن نقر بها، وهي أن كثيرا من الدول استندت إلى التطبيع العربي مع الكيان وتمادت في علاقاتها مع إسرائيل على أساس أنهم لن يكونوا ملكيين أكثر من الملك. اللوم أساسا يقع على المطبعين العرب ودعاة سلام الشجعان. فلماذا نلوم الآخرين والعيب فينا أصلا؟
كاتب وباحث من فلسطين

















0 تعليق