برلين- “القدس العربي”: أنهت ألمانيا مهمتها العسكرية في العراق بعودة آخر 28 جنديًا من قواتها، لكنها أبقت الباب مفتوحًا أمام دور أمني جديد، معلنة العمل على تعاون مع القوات العراقية وقوات البيشمركة، في ختام انتشار استمر 11 عامًا، وواجه خلال أشهره الأخيرة هجمات وتوترًا أمنيًا.
ووصلت الدفعة الأخيرة إلى قاعدة فونستورف قرب هانوفر، الخميس الأول من أكتوبر/تشرين الأول، بعد تسليم معسكر أربيل إلى السلطات العراقية. وأكدت وزارة الدفاع الألمانية أن المهمة انتهت في 30 سبتمبر/أيلول بطلب من الحكومة العراقية، مع بقاء طاقم الملحقية العسكرية في سفارة ألمانيا ببغداد.
ويضع الانسحاب العلاقة العسكرية بين البلدين أمام مرحلة جديدة: بغداد تتولى مسؤولية أمنها، وفق الموقف المعلن، بينما تسعى برلين إلى الحفاظ على التعاون الذي بنته خلال سنوات مهمة مكافحة تنظيم “الدولة”.
بغداد طلبت.. وبرلين تبحث عما بعد الانسحاب
وفي تصريحات نقلتها القناة الإخبارية التلفزيونية الثانية، قال وكيل وزارة الدفاع نيلس هيلمر إن الحكومة العراقية قررت تولي أمن البلاد بالكامل، وإن ألمانيا تحترم هذا القرار. لكنه أوضح أن العمل جارٍ على إعداد أسس التعاون المقبل مع القوات المسلحة والأجهزة الأمنية العراقية، بما فيها قوات البيشمركة في إقليم كردستان.
وتكتسب هذه الإشارة أهمية في ضوء موقف سابق لوزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، الذي عبّر في يوليو/تموز عن رغبته في استمرار انخراط الجيش الألماني في أربيل، معتبرًا ذلك مناسبًا وضروريًا من منظور السياسة الخارجية.
وبين الموقفين، لا تقدم التصريحات المتاحة خطة تفصيلية للمرحلة التالية، ولا تحدد موعدًا أو حجمًا لأي وجود عسكري محتمل. لكنها تعكس رغبة ألمانية في مواصلة العلاقة الأمنية بعد إغلاق المعسكر، ضمن ترتيبات جديدة ينبغي الاتفاق عليها مع الجانب العراقي.
خروج تحت ضغط أمني
وجاءت عودة الجنود بعد أشهر صعبة. ووفق هيلمر، تصاعدت الهجمات في المنطقة منذ مارس/آذار، وطالت القاعدة الجوية التي أقام فيها معظم العسكريين الألمان، ما استدعى تعديلات متكررة على خطط الانسحاب.
وفي مراسم الاستقبال، اعتبر الفريق غونتر كاتس أن عودة الدفعة الأخيرة تنهي الحضور الألماني القائم في إقليم كردستان العراق منذ أكثر من عقد. وأشار إلى دور العسكريين في تقديم المشورة لقوات البيشمركة خلال سنوات المهمة.
وتوضح هذه التصريحات الظروف التي رافقت المغادرة، فيما يبقى طلب الحكومة العراقية السبب الرسمي الذي أعلنته برلين لإنهاء الانتشار. فالتوتر الأمني وتعقيدات نقل الجنود لا يكفيان، وحدهما، لاعتبار الانسحاب خروجًا اضطراريًا أو تخليًا ألمانيًا عن التعاون.
من مكافحة التنظيم إلى تسليم المعسكر
وبحسب موقع وزارة الدفاع الألمانية، بدأت أول دفعة مهمتها في فبراير/شباط 2015، وتعاقبت على الانتشار 25 دفعة. وشمل الوجود الألماني داخل العراق، في جانب كبير منه، عناصر للمشورة والخدمات الطبية وتقنية المعلومات وأعمال القيادة والأركان.
وقدمت الوزارة حصيلة إيجابية للمهمة، معتبرة أنها أسهمت، مع الشركاء، في تعزيز قدرة القوات العراقية على تولي الأمن وبناء الهياكل العسكرية اللازمة لذلك. وقالت إن تفكيك منشآت المعسكر وتسليمه أُنجزا رغم الوضع الأمني المتوتر.
غير أن هذا التقييم يظل تعبيرًا عن الموقف الألماني الرسمي. أما قدرة الترتيبات الجديدة على تأمين استقرار مستدام، فستتضح مع انتقال المسؤوليات وكيفية تنظيم الدعم الخارجي في المرحلة المقبلة.
العراق بعد مغادرة التحالف
ويتزامن الخروج الألماني مع انتهاء مهمة التحالف بقيادة الولايات المتحدة. ورصدت رويترز احتفالات عراقية بمغادرة القوات الأمريكية، إلى جانب مخاوف من أن تستفيد جماعات مسلحة موالية لإيران أو خلايا تنظيم “الدولة” من أي فراغ أمني.
ونقلت قنوات إخبارية عن رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي تأكيده أن انتهاء مهمة التحالف لا يعني انتهاء مواجهة الإرهاب، بل انتقال العراق إلى تحمل المسؤولية الكاملة عن أمنه واستقراره. كما أعلنت واشنطن استمرار تقديم دعم محدد في مجالي التدريب والمعلومات الاستخباراتية.
وبالنسبة إلى ألمانيا، لا يشمل الانسحاب قوتها الموجودة في الأردن، وفق وزارة الدفاع. وتبقى هذه نقطة أساسية لفهم حدود القرار: المهمة داخل العراق انتهت، لكن الحضور العسكري الألماني في المنطقة مستمر.
ويبقى الاختبار المقبل للعلاقة مع بغداد وأربيل هو تحويل التعهدات بالتعاون إلى اتفاقات واضحة. فقد غادر آخر الجنود المعسكر، بينما لا تزال طبيعة الدور الذي تريده برلين بعده قيد الإعداد.


















0 تعليق