لا يكاد الفرنسيون يلتقطون أنفاسهم حيال الفصول المتعاقبة لفضائح تعبيرات العداء للسامية، المنسوبة إلى جوردان بارديلا، رئيس حزب «التجمع الوطني» اليميني المتطرف؛ حتى يحبس جيرانهم البريطانيون الأنفاس، إذ تتعاقب عندهم فصول اتهام الحواضر الجامعية بشيوع مشاعر العداء للسامية، وانقلابها تدريجياً إلى سلوك يومي يشمل شرائح متزايدة من الطلاب.
وإذا كان موقع «ميديابارت» الاستقصائي المستقل في فرنسا قد جهد، على امتداد أسابيع، لتركيب أجزاء الـ»بزل» الكفيل بكشف بواطن معاداة اليهود واعتناق نظريات مؤامرة صارخة حول سيطرتهم على المصارف والسياسة؛ فإنّ مجموعات الضغط اليهودية/ الصهيونية، في بريطانيا، لم تبذل من جهد يتجاوز تكليف «مؤسسة خيرية» تبيع الاستشارات الأمنية بإصدار تقرير يقول وقائع معاداة السامية في الجامعات البريطانية ارتفعت بنسبة 80% بالمقارنة مع معدلها قبل هجوم حركة «حماس» على غلاف غزّة، في 7 شرين الأول (أكتوبر) 2023.
ولا يفوت المؤسسة بائعة الاستشارات التشديد على أنّ 83% من الحوادث ذات الطابع المعادي للسامية تضمنت عناصر سياسية، أو دينية، أو إيديولوجية؛ بينما تركزت نسبة 62% منها على دولة الاحتلال، أو «حماس» وعملية «طوفان الأقصى»، أو نزاع الشرق الأوسط. وبهذا التأطير، التضليلي عن سابق قصد وتصميم، فإنّ نقد الصهيونية أو الكيان الصهيوني يدخل تلقائياً في مصنفات العداء للسامية؛ الأمر الذي لا يحظى، البتة، بإجماع دولي قانوني أو حقوقي، فضلاً عن آثاره في تقييد حريات الرأي والتعبير.
ما لا يُعثر عليه في خلاصات المؤسسة هو مفردات مثل «مجازر» و«تجويع» و«تطهير عرقي»، ومحال بالطبع أن تظهر مفردة «إبادة جماعية»، أو يُشار حتى عرضاً إلى عمليات القصف الإسرائيلية للمشافي والمدارس ومراكز الإيواء والمساجد والكنائس ومقرات الإغاثة الإنسانية الدولية. هذه، وسائر تنويعات جرائم الحرب الإبادية التي تواصل دولة الاحتلال ارتكابها على مدى زمني يقترب من ثلاث سنوات، ليست في ناظر المؤسسة الاستشارية عوامل ذات وجاهة عالية في تأجيج مشاعر التضامن مع الضحايا من أطفال ونساء وشيوخ قطاع غزة لدى طلاب الجامعات، من جهة أولى؛ وإدانة الدولة العنصرية والاستيطانية والفاشية التي ارتكبتها، من جهة ثانية.
وبين ما تشهده فرنسا وبريطانيا، على صعيد الاتهامات بالعداء للسامية تحديداً، ثمة فارق نوعي ودلالي، فضلاً عن ذاك الاستعمالي إذا جاز القول: في باريس، تُسقِط أقوال بارديلا، المعادية لليهود إجمالاً، الكثير من أوراق التوت التي سعى حزب «التجمع الوطني» إلى التقنّع بها ضمن زعم الانعتاق من خطّ العداء للسامية، الذي طبع الحزب منذ تأسيسه ولا يلوح أنه يتبدل فعلياً وعمقياً؛ وفي لندن يجري التعتيم على الأسباب الجوهرية لمناهضة السياسات الإبادية الإسرائيلية، بغرض تكتيكي وستراتيجي معاً هو رفع فزاعة العداء للسامية والترويج لها في أسواق مفتوحة، رغم دلائل كثيرة تشير إلى أنها باتت كاسدة.
أنتوني جوليوس، وهو محام بريطاني بارز (أشهر قضاياه كانت طلاق الأميرة ديانا من الأمير شارلز)، ولكنه أيضاً كاتب يهودي نشيط؛ يتذكر أنّ التهمة الأشهر في تاريخ العداء للسامية، أي قيام اليهود بذبح الأطفال المسيحيين لاستخدام دمائهم في أداء طقوس دينية سرّية، كانت قد وجدت تطبيقها العملي الأوّل في بريطانيا، وأسفرت عن موجات الطرد الأبكر في التاريخ اليهودي، سنة 1290. لكنه لا يتناسى، أيضاً، قضية الضابط دريفوس في فرنسا، ومعسكرات الاعتقال في أوشفتز، أو فظائع الهولوكوست التي جرت هنا وهناك على نطاق أوروبا الشرقية.
في إدراك آخر لذاكرة الرجل، قد يكون تراث العداء للسامية أبعد في التاريخ والأسباب؛ الأمر الذي لا يطمس مفاعيل حرب الإبادة الراهنة وجرائم الاستيطان في سائر فلسطين، لجهة تلفيق الحقائق وتحويلها إلى بضائع؛ ولا فرق إنْ كسدت أو حتى تعفنت !
العداء للسامية: بضاعة كاسدة وأسواق مفتوحة
العداء للسامية: بضاعة كاسدة وأسواق مفتوحة
إقرأ أيضاً
















0 تعليق