ظلتْ أطروحة طه حسين في كتابه «الشعر الجاهلي» لحظة فارقة في ذاكرتنا الثقافية، وفي القراءات المتعددة لرواية ذلك الشعر، عبر مرجعياتها النقدية، وعبر التصورات التي أرهنت علاقة هذا الشعر بالتاريخ، أو بانتحاله، فكلا الأمرين يفترضان وجود «عقل نقدي» يعمد إلى فحص «الرواية»، وإلى تمثيلها في النصوص التي قيل إنها تنتمي إلى «العصر الشعري» ما قبل الإسلام، وعلى نحو يجعل من ذلك الارتهان جزءاً من إجراءات نقدية ولغوية تخص مدى نجاعة «التدوين» في نقل وضبط «الشفاهية الشعرية» التي نقلت لنا يوميات ذلك العصر الشعرية والحكائية..
كتاب «أصداء الشاعر القديم/ تعدد الرواية في الشعر الجاهلي» للباحث أيمن بكر، الصادر عن بيت الحكمة ضمن سلسلة أفق 2023 القاهرة يُعيد الجدلَ حول الشك بمرجعيات «الشعر الجاهلي» إلى الواجهة، وإلى الموضوعة التي جعل منها طه حسين منطلقا لرؤيته حول الشك بالتاريخ ذاته، وبسلطة الراوي والشفاهي، وحتى ببعض ما يتعلق بـ»المقدس» في السير والأسفار، حتى بدا حديث «الشعر الجاهلي» وكأنه كناية عن موقف طه حسين من مرحلة ما قبل التدوين، ومن تمثلاتها الأنثروبولوجية، وعلى نحوٍ بدا فيه حديث الانتحال خاضعا إلى ما يشبه البراغماتية النقدية، وهو ما ذهب إليه المؤلف الذي وجد صعوبة في تأمين مصادر مرجعية ناجزة لتعضيد ما ورد في الروايات حول الشعر الجاهلي، وحول النظر إليها من قبل المستشرقين والباحثين العرب..
التسمية والجدل والاختلاف
من الصعب جدا وضع كتاب طه حسين خارج سياق زمنه، وخارج إجراءاته النقدية، وخارج المنهج الديكارتي الذي اعتمده في تحويل الشك المعرفي إلى شك تاريخي، وأن مقاربته لفكرة المؤلف الذي يفحص التاريخ، ستضعه أزاء مجال مفتوح، وأزاء قراءات جديدة تتجاوز الظاهر من الخطاب، إلى ما يُخفيه من أنساق مضمرة، ومن مرجعيات تدخل في سياق التعرف على الحمولات الدلالية، وعلى ما تتيح للقارئ مستوى من المراجعة والتأويل، ومستوى أنثروبولوجي يمنح فرصة لإعادة فحص الظاهرة الأدبية، في بيئتها وظروفها، وفي بيان علاقتها النقدية والثقافية بالنظام الثقافي السائد آنذاك، وبما يمكن أن يجعلها خاضعة للمساءلة والشكوك، رغم أن هذه الشكوك بدت وكأنها فكرة استشراقية عمد إليها المستشرق مرغيليوث، وسانده فيها طه حسين، حتى بات الأمر موضوعا في قياس علاقة هذا الشعر بالزمن الثقافي، وبالقاموس الاستعاري له، وحتى علاقته بالمكان الطللي وبالأغراض الشعرية، وبالتالي تحول الشك إلى عزل، وإلى البحث عن «المؤلف الغائب»، فهل هو الشاعر أم هي المؤسسة؟ وما هي مرجعياته وعلاقته بإعادة ترميم المجال الشعري، الذي وصل إلينا من مرحلة ما قبل الإسلام؟
هذه الأسئلة تنفتح على قراءة مضادة، تتجاوز عقدة النقل إلى ضرورة القبول، ومن منطلق أن هذه المرحلة لم تكن صحراوية بالكامل، وأن قاموسها الشعري، في الزمن والمكان وفي التشكيل ليس بعيدا عن التدوين، ولا عن مهارة وخبرة بعض الشعراء الذين تحولت قصائدهم إلى سرديات شعرية، يمكن أن نتعرف من خلالها على المكان وتفاصيله..
ما أراد أن يُقدمه الكتاب هي مجموعة القراءات التي تناولت «الشعر الجاهلي» وعبر روايات ووجهات نظر، وبهدف الكشف عمّا تحمله من إجراء تاريخي في النظر إلى هذا الزمن الثقافي، أو إجراء فني يخص ملامح الشعر وتحولاته، ورغم أن المفاضلة موجودة في هذه القراءات المتعددة، وعبر وجهات نظر يدخل فيها التأويلي والنفسي، وحتى الأيديولوجي الذي ينظر بتبجيل إلى أهمية هذا الزمن، في التأسيس والتقعيد، وخصوصية البناء الفني، الذي جعل من الطلل استهلالا دالا على علاقة الشاعر بالمكان، ومن الحبو النسيب حوافز تقود إلى التعرّف على طبيعة الحياة في الجزيرة العربية، والكشف عن اغتراب الشاعر، بوصفه جزءا من الصراع الاجتماعي والثقافي، وتمثيلا لعلاقة الشاعر بالقبيلة/ السلطة وبذاته التي كثيرا ما تبدو متمردة، أو حاملة لنزعات أنوية، يكشف من خلالها الشاعر عن أزمته الوجودية، وعن المخفي من العلاقة مع السلطة، وأحسب أن موتَ شاعر مثل طرفة بن العبد تكشف عن عقدة الشاعر، وعن سذاجته رغم أنويته المتعالية..
الشعر وعصاب القبيلة
مقاربة الشعر بوصفه الأنثروبولوجي لن يكون بعيدا عن يوميات المكان القبلي، ولا بلهجاته الخاصة، إذ يخضع ذلك الشعر إلى تداولية معينة، وإلى ترميزات وإحالات نفسية واستعارية، وهو ما أشار إليه الباحث عبر استدعاء الدراسات التي اهتمت بشعراء قبيلة هذيل، بوصفها مساحة اتسمت بطابع خاص، جعلت الشعراء الهذليين يجتمعون في ديوان له رواته ومحققوه، وحمل الاسم ذاته، حيث اعتمد على إجراءات نقدية معاصرة، أراد من خلالها تحليل الظاهرة الشعرية، وعلى معالجة تشكلاتها في السياق الشفاهي، من خلال تفكيك بناها الداخلية، التي تُخفي أنساقا ومرجعيات وصورا ليست بعيدة عن أغراض الشعر المعروفة، وهو ما نزع إليها المؤلف عبر توسيع مساحة قراءته بعيدا في تمثيله الشفاهي، وفي تأويل ما يحمله، أو ما يُحيل إليه..
قد يبدو صعبا الاكتفاء برواية واحدة قارة، أو بشكٍ ليس له سندٌ معرفي، لذا بدت الروايات المتعددة، من المستشرقين، أو من الباحثين العرب وكأنها إجراء سسيوتاريخي، يعمد إلى إبراز الاهتمام بالشعر الجاهلي الشفاهي وحتى المدوّن منه الذي جعله طه حسين محط مراجعاته التاريخية والنقدية، ليس في سياق التحقيق بالمعنى الأكاديمي، بل في سياق النظر إلى كثير من الروايات الشفاهية للنصوص الدينية والشعرية، وهو ما أشار إليه الباحث بقوله «لا يمكننا أن نقيم تراتبا بين تلك الروايات من دون افتراض أن وعينا النقدي المعاصر قد استقبل هذه النصوص كما هي عليه الآن، أي مدوَّنة برواياتها المختلفة لتصبح تلك الروايات مجتمعة هي النص الشعري الجاهلي».
لا يمكن حصر إشكالية النظر إلى تاريخية النص الشفاهي بوجهة نظر واحدة، أو حتى برواية واحدة، رغم ما تكّرس منها من روايات أعطت للذاكرة فاعلية الاستثارة كما في العصر العباسي، الذي يُعد بوصفه عصر التدوين، وربما عصر التأسيس لكثير من السرديات التي تخص رواية الحديث والسيرة، ورواية الشعر، التي تحولت إلى مرجع كبير للعمل الاستشراقي من جهة، ولعمل كثير من المؤسسات الأكاديمية في العصر الحديث والمعنية بـ»تحقيق كتب الشعر» ونقوده وأصوله من جهة أخرى، من دون الاهتمام بطروحات الشك التي تُثار هنا أو هناك، والتي تقلل من أهمية ما تكرّست صورته الذهنية في لا وعينا الثقافي، وفي مجالنا الدرسي والأكاديمي.
خلاصة ما يمكن الوصول له، هو حيوية إعادة مراجعة حالة «الشعر الشفاهي» في تمثيله الزمن الجاهلي، أو الحكواتي، وبكل ما يحيط به من شكوك، ومن إجراءات نقدية من الصعب التأكد من وثوقيتها، لكن الحافظ حميمية الذاكرة وعلى ما حفل به المكان العربي من يوميات ظلت متوهجة، ومن تمثلات لا يمكن عزلها عن الدرس التاريخي، ولا حتى عن خيارات الدرس الأكاديمي لطلبة الدراسات العليا، والى ما تكرس من كتابات جعلت منها الاستشراقات المتعددة مجالا للاختلاف والمراجعة، وتفاديا للصور المشوهة التي جعلت من الشفاهي التي ارتبطت بتاريخ شعريتنا العربية مثارا للجدل، حول حقيقيته التدوينية، وحول شرحه الناجز، رغم أن ما وصل إلينا من موروث شعري ظل مشتتا هنا أو هناك، وهذا ما جعل حديث الانتحال موقفا لا يمكن الركون له، لأنه كما يرى المؤلف سيكون محمولا على رواية من الروايات الكثيرة التي أثيرت حول تاريخية «الشعر ما قبل الإسلام».
كاتب عراقي


















0 تعليق