ربما الحقيقة الوحيدة التي نعرفها بعد الموت في دنيانا هي أن الحب، ذلك الشعور غير الملموس الذي يقتحم القلب دون إذن، ليس له قواعد ثابتة؛ فكثيرًا ما نشاهد عاشقين لا تناسق بينهما، ربما شكلًا في أحيان وموضوعًا في أحيان أخرى، ولكن في النهاية يبقى سحر الحب تلك الشعلة الملتهبة تدفئ علاقتهما وتدفع بهما للاستمرار دون الالتفات إلى كل أشكال التنميط التي يفرضها الأشخاص على أنفسهم، وبالتالي يتحول الأمر إلى رأي عام جمعي في المجتمع، ويصبح العرف السائد أن تكون العلاقة بين طرفين خاضعة لأحكام من حولهم، وهو جوهر فيلم "لمن يجرؤ" للمخرجة اللبنانية دانيال عربيد، والذي يُعرض ضمن برنامج عروض أفلام مهرجان الجونة السينمائي.
تفرض مجتمعاتنا العربية قيودًا كثيرة في شكل العلاقات، وتشترط تناغمًا ما من وجهة نظر المحيطين للرضا عن علاقة بين شخصين من المفترض ألا تشغل بال أحد سواهما، ولكن لأننا في مجتمع شرقي فلابد من حشر من حولنا أنوفهم في علاقاتنا مع الأشخاص، حتى وإن كانت علاقة حب بين طرفين متقبلين بعضهما كما هما.
يبدأ الشريط السينمائي للمخرجة دانيال عربيد "لمن يجرؤ" في أحد شوارع بيروت، حيث يتم الاعتداء بالضرب على "عثمان"، شاب أسمر يافع يحمل الجنسية السودانية يعيش في لبنان حاله كحال كثير من الشباب الذين أجبرتهم ظروف دولهم على العيش في بلدان أخرى بحثًا عن حياة كريمة. يتلقى عثمان الضرب كونه في آخر درجة من سلالم المجتمع: مهاجر يعيش على الفتات، أسمر البشرة، مسلم في مجتمع مصاب بلعنة الطائفية في كثير من الأحيان، فهو في أدنى مستوى من مستويات الحياة بالنسبة لكثير من الأشخاص الذين لديهم قناعة بأن مثله لا يستحقون الحياة بجوارهم، فهو يتقاسم معهم أرزاقهم ويستخدم مواردهم، وكل تلك الأفكار التي يغذي بها الشخص نفسه ليريح ضميره في تعامله بدونية مع المهاجرين.
تلتقطه سوزان، وتجسدها الممثلة المخضرمة هيام عباس، سوزان مسيحية من أصول فلسطينية أجبرتها الظروف على العيش في لبنان، تزوجت من لبناني وكونت أسرة رغم أنها لا تحب الزوج، لكنها عاشت وربت أولادها إلى أن رحل، وتزوج ابنها وابنتاها، وبقيت هي امرأة وحيدة لم تشعر بلذة الحب واختيار الشريك، ولكنها وافقت على المتاح، فهي أيضًا في الدرجة الأدنى من المجتمع الذي يراها تقاسمهم أرزاقهم وتستغل مواردهم.
سن سوزان أكبر من ضعف سن عثمان، لكنها وجدت فيه الحب والحنان التي حُرمت منهما، وهو كذلك وجد فيها الأمان والإنسانية؛ فارق عمر كبير، وطبقات اجتماعية مختلفة، وثقافة وتربية مختلفة، وديانة مختلفة، جميعها تنصب في الجهة المعاكسة لشكل العلاقات التي يحصل على صك القبول المجتمعي.
المخرجة دانيال عربيد تضع عورات المجتمع اللبناني أمام عينه؛ مجتمع يعاني من الطائفية وويلاتها، ولكن كل شخص ينظر إلى ديانة الآخر على أنها منقوصة وأن ديانته هي الأفضل، مجتمع عانى الأمرين من الحرب، لكنه يضع الفارين من ويلات الحرب في الدرجة الأدنى من سلم المجتمع، مجتمع يتغنى بالحرية وقبول الآخر، لكنه لا يمانع أفراده في ممارسة التمييز والعنصرية على الآخر، جميعها تناقضات تضع المجتمع أمام مرآة الحقيقة. هناك خلل كبير: لماذا نكره الحب، ولماذا لدينا رهاب منه، لماذا نخشى الحياة، لماذا نخشى الاختلاف، لماذا نضع شكلًا وإطارًا للعلاقات الناجحة رغم فشل ذلك الأمر؟ لا ضمانات في الحب، وكذلك لا يوجد شكل أمثل لاختيار شريك الحياة؛ لا الطول ولا العمر ولا لون البشرة ولا الطبقة الاجتماعية ضمانة لعلاقة حب وزواج ناجحة.
يضع الفيلم المجتمع في مواجهة نفسه: ما الذي يضير الناس في أن تجد امرأة ستينية الحب في أحضان شاب أسمر من عمر أولادها، طالما ارتضى الطرفان العيش معًا تحت سقف واحد؟ ما الذي يفرق الجيران إذا كانت جارتهم تحب شخصًا أصغر منها أو أكبر؟ في ظني أن عشق التنميط وهواية وضع الناس في قوالب هي السبب في ذلك، وهي من تعطي من حولنا الحق في الحكم على حياتنا رغم أنها حياتنا وليست حياتهم.
على المستوى الفني، من المؤكد أن الفيلم يشوبه بعض النواقص، في ظني أنها بسبب تصوير الفيلم خارج لبنان بسبب ظروف الحرب، لكنه على المستوى البصري وشريط الصوت والأداء التمثيلي لا ينقصه شيء سوى بعض المشاهد التي قد تكون مغازلة للغرب، ربما لو كان تم الاستغناء عنها لكان الحال أفضل كثيرًا، لكن إجمالًا العمل عمل بديع إنساني يضعنا في مواجهة أنفسنا، فلا يجب أن نشتكي من العنصرية ونسمح لأنفسنا بممارستها.
- رائدة ناسا تتمنى أن يرى الجميع كوكب الأرض من الفضاء لهذا السبب
- عرض فيلم لمن يجرؤ فى مهرجان الجونة السينمائى وسجادة حمراء لأبطاله
- علا الشافعى تكتب: الجونة السينمائى.. السينما فى مواجهة القمع والفقد والعزلة
- 80 ألف مستفيد من مبادرة «أنا متعلم مدى الحياة» بالفيوم
- مهووس بالنظام ورغاي.. عيوب أرهقت النجمة شادية مع زوجها صلاح ذو الفقار






