في الأسبوع الماضي حذرنا من أن الاستراتيجية بلا خطوات عملية تظل حبرًا على ورق. وفي الأسبوع نفسه، لم يتوقف العالم عن الدوران في فلك الذكاء الاصطناعي؛ بل تسارعت وتيرة العاصفة، حيث أطلق الصحفى الشهير توماس فريدمان جرس إنذار آخر معتبرًا أن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد أداة، بل هو تسونامي يعيد تشكيل الجغرافيا السياسية والاقتصادية بسرعة تفوق قدرة مؤسساتنا على الاستيعاب.
ولعلى أعتبر أن نبوءات الفناء والانقراض مبالغًا فيها، ويمكن أن تكون بعض تطمينات الشركات الكبرى قصيرة النظر أيضا. ولكن اليقين الوحيد لدى أن الانتظار والتقليد الأعمى لدول الجوار ليس بسياسة، كما أن السوق وحدها لا تحمي الحق العام. لذا يجب على المجتمع الواعي أن يتبنى التقنية التي يرى فيها مزاياه النسبية ومن ثم يعيد تشكيل مؤسساته حولها.
فالخطر ليس أن تصبح الآلة قوية فحسب؛ الخطر أن نصبح نحن ضعفاء أمامها. والفرصة ليست أن نجعلها تفكر بدلًا منا، بل أن نجعلها توسع قدرتنا على التفكير والعمل.
واذا عدنا الى المحروسة، فلن يأتي الدور الملموس لها من تقليد الآخرين في كل شيء، بل من اختيار ما تعرفه هي أكثر: اللغة العربية ولهجاتها، ومشكلات المياه والزراعة، والاحتياجات الصحية المنخفضة التكلفة، والخدمات الرقمية الحكومية والمؤسسية، واختبار النماذج في بيئة عربية وأفريقية. عندئذ لا تكون مصر سوقًا لنماذج الآخرين ولا مصدرا لبياناتهم، بل شريكًا يمكنه أن يصنع جزءًا ضروريًا من المستقبل.
وإذا كنا نصفق ل استراتيجية الذكاء الاصطناعي (2025-2030) التي وضعتها المحروسة فيجب أن لا تزامل غيرها من خطط وسرديات على الرفوف ويجب تحويل ذلك الحبر إلى "مونوريل سريع" يضمن لنا الوصول إلى محطة المستقبل.
تفعيل الاستراتيجية يجب أن يكون عن طريق توطين الذكاء الاصطناعي عبر خارطة طريق زمنية وموارد موجهة، ترتكز على عدد من المحاور العملية القابلة للتنفيذ. وهنا مقترحات لبعضها والتى يمكن أن نتشابك معها لتحسينها أو إيجاد بدائل أكثر عملية عنها:
صناعة العقل العربي ومختبر الأمن والسلامة
لا نحتاج بالضرورة لمنافسة العمالقة في بناء أضخم النماذج، بل نحتاج لبناء نوعية عربية فريدة تفهم لهجاتنا وتراثنا ومصطلحاتنا. والأهم من ذلك، إنشاء مركز عربي مستقل لاختبارات الأمن والسلامة؛ فالنموذج الذي ينجح في وادي السيليكون قد "يهلوس" أو يتحيز في القاهرة.
ومن ثم يمكن لهذا المركز القاهري أن يصدر شهادات ثقة للتطبيقات المحلية، مما يجعل من المحروسة حاضنة إقليمية لاختبار النماذج -أمنيا ويمكن أخلاقيا أيضا- قبل تصديرها لأفريقيا والوطن العربي، وهو مجال يحتاج لخبراء في اللغة والقانون والأمن السيبراني أكثر من حاجته لرقائق حوسبة عملاقة.
استخدام الذكاء في انتاج حبة القمح واستخدام قطرة الماء
التطبيق الأجدى في المحروسة ليس في الروبوتات البشرية، بل في الزراعة والمياه. يمكن أن نبدأ بنموذج ذكي يحلل صور الأقمار الصناعية ورطوبة التربة لتوجيه الري واكتشاف الأمراض لمحاصيل محددة كنموذج أولي. هنا يتحقق مبدأ الإنسان في القيادة؛ الآلة تقترح مع درجة ثقة، والمهندس والمزارع يقرران مدى نجاح التجربة.
إذا لم تنجح التجربة تستخدم في إعادة التوجيه وإذا نجحت، تتحول إلى منتج قابل للتصدير لدول تواجه تحديات مشابهة.
صناديق البيانات والحوسبة المشتركة
الذكاء الاصطناعي لا يتعلم من الفراغ، وإنما يحتاج إلى بيانات دقيقة تمثل البيئة التي سيعمل فيها. يمكن، مثلًا، إنشاء:1- صندوق للبيانات الزراعية: صور المحاصيل، والأمراض، والرطوبة، والطقس، والإنتاجية.
2- صندوق للبيانات الصحية: صور أشعة وسجلات مجهّلة الهوية.
3- صندوق للغة العربية: نصوص وصوتيات بالفصحى واللهجات المصرية.
4- صندوق للنقل: حركة المرور والحوادث وأوقات الرحلات، بعد إزالة ما يكشف هوية الأفراد.
ولا يعني ذلك فتح البيانات بلا حدود. بل يجب تحديد من يملكها، ومن يستطيع استخدامها، ولأي غرض، ومدة الاحتفاظ بها، وكيف تُحمى الخصوصية، ومن يتحمل المسؤولية عند إساءة استخدامها. والاستراتيجية المصرية نفسها تتضمن أطرًا لحوكمة البيانات، وقواعد بيانات عربية عالية الجودة، ومنصات لتبادل البيانات، وتعزيز الخصوصية..
بالنسبة للحوسبة المشتركة فأن تدريب النماذج وتشغيلها يحتاجان إلى قدرة حاسوبية؛ أي الخوادم والمعالجات ومراكز البيانات والخدمات السحابية اللازمة لمعالجة كميات كبيرة من المعلومات. شراء هذه الموارد مكلف، ولذلك قد تمتلك جامعة مصرية جيدة الباحثين والفكرة والبيانات، لكنها تعجز عن تنفيذ المشروع ماديا.
فالحل هو إنشاء مرفق وطني مشترك للحوسبة يشبه المعمل المركزي: تتقدم الجامعات والشركات بمشروعاتها، وتُمنح ساعات تشغيل وفقًا لجودة المشروع وأهميته، مع أسعار مدعومة للمشروعات البحثية والناشئة. وهذا يتفق مع الاستراتيجية المصرية التي تستهدف توسيع موارد الحوسبة السحابية ومراكز البيانات، ومع توصية البنك الدولي للدول النامية ببناء بنية حوسبية قابلة للتوسع ومشتركة الاستخدام.
الدولة كـ"عميل أول" ومُصدِّر للخدمات
الحكومة ليست مجرد جهة منظِّمة؛ إنها أيضًا مشترٍ كبير للخدمات والبرمجيات. ويمكن استخدامها لخلق طلب حقيقي على الابتكار المصري بدلا من الاكتفاء بتمويل مسابقات أو نماذج تجريبية لا تجد بعد ذلك عميلًا. بدلا من طرح مناقصة تقول: «نريد نظام ذكاء اصطناعي»، تطرح الجهة الحكومية مشكلة قابلة للقياس، مثل: خفض زمن فحص الأشعة بنسبة محددة مع الحفاظ على الدقة، اكتشاف تسربات المياه في منطقة تجريبية، تقليل زمن استخراج ترخيص، اكتشاف المخالفات أو أنماط الفساد في العقود الحكومية، تحسين توقع ازدحام المرور في محور معين.
تبدأ الدولة بتجربة محدودة، ثم تشتري الحل وتتوسع فيه إذا أثبت فائدته واستوفى شروط الأمان والخصوصية.
والأهم هو تحويل قطاع التعهيد المصري -الذي تجاوز 5 مليارات دولار- من مجرد تصنيف بيانات رخيص إلى تعهيد مدعوم بالذكاء الاصطناعي يضمن نقل المعرفة وامتلاك جزء من الملكية الفكرية، وربط كل عقد كبير بالتدريب.
في مقاله الأخير، لم يقل توماس فريدمان إن المستقبل محتوم، بل حذر من أن الركض بلا اتجاه يؤدي إلى الهاوية. الاختيار أمامنا: إما أن نكون سوقًا تستهلك نماذج الآخرين وتُستنزف بياناتها، أو شريكًا يصوغ أدواته بلغته، ويحل مشكلاته بذكائه. السحر لن ينقلب على الساحر إذا أدركنا أن عجلة القيادة لا يجب تركها للخوارزميات، بل أن اليد البشرية هي وحدها من تقرر إلى أي محطة سنصل.
- حبس 5 صانعات محتوى بتهمة نشر محتويات خادشة للحياء بالقاهرة والإسكندرية
- مودريتش يقود كرواتيا للفوز على التشيك 1/2 في دوري الأمم الأوروبية
- إسبانيا تحقق ريمونتادا أمام إنجلترا 3-2 في دوري الأمم الأوروبية
- أطعمة غنية بفيتامين D مع قلة التعرض للشمس في الخريف
- أخبار مصر، قيادات القضاء والشخصيات العامة في وداع المستشار أحمد الزند.. محافظ الجيزة يوجه تحذيرًا عاجلًا لأصحاب المحال بنفق إمبابة،.. التعليم العالي تكشف موعد فتح التقديم المباشر بالجامعات التكنولوجية

















0 تعليق