إذا أصبت باضطراب في المعدة بعد تناول طعام مشكوك في سلامته، فأنت على الأرجح من المحظوظين. تُعد الأمراض المنقولة بالغذاء مشكلة عالمية خطيرة، وتتسبب في أعراض تتجاوز مجرد آلام المعدة.
تشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن أكثر من 850 مليون شخص يُصابون بالمرض سنويًا بعد تناول أطعمة ملوثة، ما يؤدي إلى أكثر من 1.5 مليون حالة وفاة سنويًا. مع أن التكنولوجيا سيطرت على معظم جوانب حياتنا اليومية، ما زلنا نعتمد بشكل أساسي على فحص سريع وسطحي لسلامة الغذاء، وهو اختبار شم سريع وسطحي لتحديد مدى طزاجة حليب الأمس أو بقايا طعام الأسبوع الماضي، لكن حاسة الشم البشرية ليست مثالية في الكشف عن المواد الكيميائية.
طور مهندسون في جامعة كاليفورنيا بيركلي أنفًا إلكترونية، ونشروا نتائج بحثهم في مجلة Science Advances لإنقاذنا من تناول شريحة سمك سلمون ملوثة دون أن نشعر. الأهم أنه يمكن دمج هذه التقنية في الأجهزة المنزلية اليومية لحمايتنا من مسببات الأمراض الخفية، متضمنةً تلك المرتبطة بفساد الطعام.
توضح كارلا باسيل، المؤلفة الرئيسية للدراسة: أعتقد أن الثلاجات الذكية -المزودة بمستشعرات يمكن التحكم فيها عبر الهاتف -ستكون تطبيقًا رائعًا لهذا النوع من التقنية. كم سيكون رائعًا لو استطاعت ثلاجتك أن تخبرك: البروكلي على وشك التلف، لذا يُفضل تناوله حالًا.
يتكون الأنف الإلكتروني من 16 مستشعرًا، كل منها حساس لمزيج مختلف قليلًا من الغازات، ليمنح من يتردد في تناول الطعام إشارة إيجابية أو سلبية بشأن قطعة الدجاج المتبقية. تشبه باسيل هذه المستشعرات بـبراعم التذوق الرقمية، إذ يستجيب كل منها لمحفز مختلف.
يحتوي كل مستشعر من هذه المستشعرات الستة عشر على طبقة استشعار مختلفة، ويعمل بتحويل التفاعلات الكيميائية بين سطح المستشعر وجزيء الغاز إلى إشارات كهربائية.
استخدم الباحثون أساليب التعلم الآلي لتدريب الأنف الإلكتروني على التعرف على 16 منتجًا غذائيًا مختلفًا، محققين دقة تنبؤ إجمالية تقارب نسبة 93%. تشمل هذه المنتجات الفواكه ومسببات الحساسية الشائعة من المكسرات، مثل الجوز والفول السوداني. كُلف الأنف الإلكتروني بمهمة صعبة تتمثل في تحديد الدجاج النيء والحليب والبيض المتروكة خارج الثلاجة مدة تتراوح بين 24 و48 ساعة.
يؤكد الباحثون أن الأنف الإلكتروني يُمثل تطورًا كبيرًا مقارنةً بأنظمة الكشف عن الغازات الأخرى أحادية الشريحة التي قد تستخدم 2 - 10 مستشعرات فقط. يعمل الأنف الإلكتروني في درجة حرارة الغرفة، بفضل أشباه الموصلات المصنوعة من أنابيب الكربون النانوية، وهي مادة فائقة التميز بمساحة سطحية عالية، إضافةً إلى المتانة وخفة الوزن.
يتطلب تصنيع هذا الأنف الاصطناعي تقنية بسيطة نسبيًا تُسمى التقطير، إذ يضع الباحثون محلولًا مُحملًا بجزيئات نانوية على شريحة، ثم شطفها وتجفيفها باستخدام مسدس نيتروجين.
تقول باسيل: يكمن الجانب العملي في قدرتنا على استخدام جميع أنواع مواد الاستشعار المختلفة، مع تجميعها في خطوة واحدة. مع ذلك، لا تزال توجد مجالات عديدة للتحسين.
أحرز الباحثون بالفعل تقدمًا ملحوظًا في منع الخلط بين أنواع الأطعمة، الذي قد يُؤدي إلى الخلط بين المكسرات والفول السوداني مثلًا، وهو تمييز أساسي، إذ تُعد هذه الأطعمة من بين أكثر تسعة مسببات للحساسية شيوعًا في الولايات المتحدة، وقد تُسبب صدمة تأقية مهددة للحياة.
قد يُستخدم هذا الأنف الاصطناعي في نهاية المطاف للكشف عن مسببات الحساسية أيضًا، ومن المأمول أن يُساهم ذلك في الحد من بعض حالات الطوارئ التي تُقدر بنحو 3.4 مليون حالة سنويًا في الولايات المتحدة بسبب الحساسية الغذائية، أي بمعدل حالة واحدة كل 10 ثوان.
رغم قدرة الأنف الإلكتروني على كشف كمية ضئيلة لا تتجاوز 0.05 غرام من الجوز المعزول -أي ما يعادل جزءًا من مئة من حبة جوز واحدة- فإنه لم يُختبر بعد في ظروف أعقد، فكشف رائحة الجوز المخبوزة في الكعك، أو تمييز قطعة طعام فاسدة في ثلاجة مليئة بالأطعمة، مهام أصعب.
يعمل الفريق أيضًا على تطوير أنف إلكتروني محمول يتزامن مع تطبيق على الهاتف الذكي، وقد يصبح مشهد رواد المطاعم وهم يمررون هذا الجهاز الذكي على السوشي الذي يتناولونه أمرًا شائعًا في المطاعم مستقبلًا.
يبقى أن نرى كم سيكلف هذا الجهاز؟ وهل يمكن استخدامه في أماكن أخرى ذات موارد محدودة؟ فالعديد من الأمراض المنقولة بالغذاء تعود إلى نقص التبريد، أو تلوث المياه، أو انقطاع التيار الكهربائي المتكرر، وهي احتياجات أساسية تجب تلبيتها.
لا يوجد ما يمنع استخدام الأنف الإلكتروني في مجال الأغذية فقط، إذ يمكن توسيع نطاق هذه التقنية لتشمل القياسات الحيوية، لفهم وتتبع الروائح المرتبطة بصحة الإنسان.
أثبت التعلم الآلي أنه نقلة نوعية في تكنولوجيا أجهزة الاستشعار، بفضل التطورات في قدرات التعرف على الأنماط وسهولة الاستخدام. الأمر المثير للاهتمام هو إمكانية تدريب الأنف الإلكتروني على مجموعة مختارة من الأشياء، ما يتيح تصميم أجهزة استشعار مصممة خصوصًا لأي تطبيق.


















0 تعليق