تُعد مشكلة ارتفاع درجة الحرارة من أبرز التحديات التي تواجه الأجهزة الإلكترونية الحديثة، فهي لا تقتصر على أجهزة الحاسوب المحمولة، بل تمتد أيضًا إلى خوادم الحاسوب ومراكز البيانات في مختلف أنحاء العالم. وتزداد صعوبة التحكم في الحرارة مع الاتجاه نحو تصنيع رقائق إلكترونية أصغر حجمًا وأقوى في الأداء. لذلك، أصبح فهم آلية انتقال الحرارة داخل الرقائق وعلى المستوى المجهري أمرًا بالغ الأهمية لمواصلة تطوير كفاءتها وتحسين أدائها. ومع ذلك، تواجه معظم التقنيات المستخدمة حاليًا لقياس تدفق الحرارة صعوبة في التعامل مع الأجهزة ذات البنية متعددة الطبقات، وهي البنية الشائعة في العديد من الأنظمة الإلكترونية الحديثة.
في هذا السياق، طور باحثون في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا طريقة جديدة لدراسة انتقال الحرارة داخل المواد متعددة الطبقات، بالجمع بين الأشعة السينية القادرة على اختراق عدة طبقات من المادة ونبضات الليزر المستخدمة لتسخينها. مكنت هذه التقنية الباحثين من دراسة انتقال الحرارة داخل جهاز يُعد واعدًا للاستخدام في تصنيع الترانزستورات والإلكترونيات المرنة.
أظهرت التقنية مستوىً عاليًا من الدقة، إذ تمكن الباحثون من قياس تأثير عيب متناهي الصغر، لا يتجاوز حجمه بضعة ميكرومترات، داخل الجهاز. وكشفت القياسات أن وجود هذا العيب أدى إلى انخفاض قدرة المادة على نقل الحرارة بمقدار أربعة أضعاف في المنطقة المتضررة. تبين أن العيب تسبب في انتشار الحرارة بصورة غير متجانسة، إذ أصبح انتقالها أسهل في أحد الاتجاهات مقارنة بالاتجاه الآخر.
يرى الباحثون أن هذه الطريقة قد تسهم في فهم أسباب ارتفاع درجة الحرارة داخل الأجهزة الإلكترونية بدقة أكبر، فضلًا عن مساعدة الشركات على تطوير أجهزة إلكترونية قادرة على العمل بقدرة أعلى، بما يشمل تطبيقات الذكاء الاصطناعي، والأجهزة القابلة للارتداء، وأنظمة الطاقة النظيفة.
قال مينغدا لي، الأستاذ المشارك في قسم العلوم والهندسة النووية في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، المؤلف المشارك في البحث: «يحتاج مطورو الرقائق إلى أجهزة قادرة على التعامل مع الحرارة».
أضاف أن ارتفاع درجة الحرارة أصبح يمثل أحد أهم العوائق أمام تحسين أداء الأجهزة، موضحًا أن تقنيات التشخيص التقليدية لا تتيح الوصول إلى المقاييس الميكروية أو النانوية اللازمة لفهم التفاصيل الدقيقة لانتقال الحرارة. وأشار إلى أن الوصول إلى هذه المستويات الدقيقة قد يساعد الباحثين مستقبلًا على دراسة حوامل الحرارة وتحديد الأسباب التي تؤدي إلى فشل الأجهزة، بما يتيح تجنب تشكل النقاط الساخنة الموضعية وتصميم أجهزة أكفأ.
تتبع حركة الحرارةغالبًا ما يعتمد تطوير أجهزة حاسوب وإلكترونيات أقوى على دمج عدد أكبر من الترانزستورات في مساحة أصغر. لكن كلما تقاربت هذه الترانزستورات، ازدادت حرارة الجهاز في أثناء تشغيله، من ثم تزداد كمية الحرارة التي يجب التخلص منها.
يتعرف معظم الناس إلى هذه المشكلة من خلال ارتفاع درجة حرارة أجهزة الحاسوب المحمولة عند وضعها على الساق. أما على مستوى مراكز البيانات، فتتطلب المشكلة تخصيص كمية هائلة من الطاقة لتبريد الخوادم.
من ثم، فإن السعي لتصميم حواسيب وأجهزة إلكترونية ذات قدرة أعلى يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالبحث عن مواد قادرة على نقل الحرارة بأعلى كفاءة ممكنة.
استخدم الباحثون عددًا من الطرق لقياس تدفق الحرارة عبر المواد ونمذجته، فإن جميع هذه الطرق تواجه قيودًا عندما يتعلق الأمر بدراسة البنى الواقعية للأجهزة. مثلًا، تُعد تقنية الانعكاسية الحرارية في المجال الزمني إحدى الطرق البصرية الشائعة لدراسة الحرارة على المستوى المجهري.
يوضح جيهوان كيم، الأستاذ في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا: «نظرًا إلى أن هذه التقنية تستخدم البصريات، فإنها لا تتيح لك دراسة الطبقات المختلفة. فالأجهزة الحقيقية تحتوي على خمس طبقات أو أكثر. وهي توفر إشارة إجمالية فقط، ما يجعل من الصعب رؤية انتقال الحرارة الذي يحدث في الطبقات المدفونة تحت السطح».
أما التقنيات الأخرى، مثل كاميرات الأشعة تحت الحمراء، فلا تتمكن من التقاط التغيرات الصغيرة جدًا بمعدل إطارات سريع بما يكفي لتكون مفيدة على المقاييس الصغيرة.
للتغلب على هذه القيود، أراد الباحثون تطوير تقنية قادرة على قياس انتقال الحرارة على مقياس النانو داخل الأنظمة متعددة الطبقات. لتحقيق ذلك، استخدموا تقنية تحليل ناشئة تُرسل نبضات إلكترونية وأشعة سينية فائقة السرعة إلى المادة، ثم تقيس التغيرات في الطاقة.
يقول ثانه نغوين، المؤلف المشارك في الدراسة: «على مدى السنوات القليلة الماضية، طور الباحثون ما يُعد أساسًا ألمع مصدر للأشعة السينية في العالم. وهذا يتيح لك تركيز حزمة الأشعة السينية والحصول على دقة مكانية بالغة الدقة. ويمكنك استخدام الليزر لتسخين العينة في أثناء قيام الأشعة السينية بمسحها، وإظهار كيفية تبديد الحرارة عبر المكان في الوقت الفعلي».
أتاحت هذه التقنية رؤية أفضل لانتقال الحرارة، إذ تستطيع النبضة الإلكترونية الناتجة من الليزر التقاط التغيرات في إجهاد المادة على المستوى الذري، في حين تتمكن الأشعة السينية من اختراق طبقات متعددة من المادة. ويمكن دمج هذه القياسات معًا لتوفير صورة أوضح عن كيفية انتقال الحرارة داخل المادة.
يوضح تشوليانغ فو، الباحث في مرحلة ما بعد الدكتوراه في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا والمؤلف المشارك: باستخدام تقنيات القياس السابقة، لم يكن بالإمكان في الأجهزة الحقيقية تحديد ما يحدث في طبقة مقارنة بطبقة أخرى، ولذلك كان يُقاس المتوسط فقط. أما الأشعة السينية، فيمكنها إظهار كيفية انتشار الحرارة بوضوح عبر الواجهة من خلال حيودها.
طبق الباحثون تقنيتهم على جهاز تجريبي يتكون من طبقة من نيتريد الغاليوم، الذي أظهر إمكانات واعدة في نقل الحرارة بكفاءة، موضوعة فوق السيليكون. دُرست هذه التركيبة من المواد لسنوات، إلا أن أداءها الحراري ثبت أنه يتدهور بسبب عيوب صغيرة تتشكل أثناء عملية التصنيع.
قاس الباحثون انخفاضًا بمقدار أربعة أضعاف في تبديد الحرارة عبر عيب ناتج عن تجعد في الجهاز، إلى جانب انخفاض بنسبة 25% في تبديد الحرارة عبر المواد، وهو ما أظهر اضطرابًا في تدفق الحرارة بدرجة أكبر مما توقعه الباحثون.
«عندما يصمم الناس نماذج لتبديد الحرارة، فإنهم يعتمدون على بلورات مثالية خالية من العيوب. لكن هذه الأنواع من عيوب التجعد الكبيرة شائعة جدًا في المواد ثنائية الأبعاد. ولم يكن أحد يعرف مقدار الحرارة التي تحجبها هذه التجعدات. أما الآن، فأصبح بإمكاننا رصد هذه الأمور مباشرة باستخدام هذه التقنية».
تصميم رقائق أفضلتقول لي إن أحد الاتحادات الرائدة في صناعة أشباه الموصلات تواصل بالفعل مع الفريق للتعاون في تطبيق تقنية القياس لدراسة أنواع مختلفة من الرقائق. وهي تعتقد أن هذه التقنية ستكون صالحة لدراسة مجموعة واسعة من المواد والأجهزة.
يضيف كيم: «يمكننا الآن تمرير تيار كهربائي وتسليط الأشعة السينية على جهاز، ثم رؤية كيفية تبديد الحرارة على مقياس صغير جدًا. وهذا أمر كانت الصناعة تتطلع إليه منذ فترة طويلة».
من ثم فإن هذا النهج سيزود الباحثين بمعلومات جديدة يمكن استخدامها لتحسين تصميم الأنظمة الإلكترونية.
وسيسمح بتصميم حراري أفضل للأنظمة الإلكترونية. وحتى مع استخدام النوع نفسه من المواد، فإن هندسة الجهاز وكيفية ترتيب المواد داخله تكون معقدة للغاية، ولذلك ستوضح لنا هذه التقنية كيفية تأثير تلك الاختلافات في تدفق الحرارة، بتوفير قياسات تجريبية مباشرة.


















0 تعليق