يمكن لنظام يعتمد على الذكاء الاصطناعي أن يساعد العلماء في تحديد دواء واعد جديد، لكنه يمكن بنفس القدر أن يقودهم أيضًا إلى الاعتقاد بوجود تأثير بيولوجي لا وجود له في الواقع.
يتمكن الذكاء الاصطناعي التوليدي من إنتاج محتوى جديد من خلال تعلم الأنماط والعلاقات المشتركة من أمثلة موجودة مسبقًا في الواقع. مع أن الذكاء الاصطناعي اشُتهر على نحو خاص بقدرته على إنتاج النصوص والصور، فإن الباحثين يستكشفون أيضًا إمكانية استخدامه في تصميم البروتينات، ومحاكاة الخلايا، واستكمال البيانات المفقودة من النتائج التجريبية، وتوليد بيانات بيولوجية اصطناعية.
لكن هذه الأنظمة قد تُنتج ما يُعرف بـالهلوسة، أي مخرجات تبدو منطقية أو مقنعة، لكنها لا تستند إلى معلومات صحيحة.
في مجال الأبحاث البيولوجية، قد تتمثل هذه المشكلة في توليد نمط جزيئي أو استنتاج قد يبدو معقولًا، لكنه لا يعكس العمليات البيولوجية الحقيقية التي يقوم عليها النظام البيولوجي المعروف.
قد تكون لمثل هذا الخطأ عواقب عملية ملموسة. فقد يستبعد الذكاء الاصطناعي مرشحًا دوائيًا قد يكون فعالًا، أو يوجه الباحثين نحو علاج غير فعال، أو يحجب تأثيرًا بيولوجيًا حقيقيًا، أو يجعل آلية مرضية غير موجودة أصلًا تبدو وكأنها اكتشاف علمي حقيقي.
يبحث عالم الأحياء الحاسوبية توماس برجر، من جامعة غرونوبل ألب في فرنسا، هذه المشكلة من خلال استعراض عشرة استخدامات محتملة للذكاء الاصطناعي التوليدي في مقال نُشر في مجلة Patterns.
يمكن للتجارب المعروفة باسم أوميكس أن تُنتج مجموعات هائلة من البيانات، تتضمن قياسات مختلفة للجينات والبروتينات وغيرها من الجزيئات. ويمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد الباحثين على تحليل هذا الكم الضخم من المعلومات واستخلاص المعنى منه، إلا أن التغيرات الطفيفة التي قد تطرأ على مثل هذه البيانات المعقدة قد يكون من الصعب اكتشافها.
يرى برجر أن هذه التطبيقات لا تحمل جميعها المستوى نفسه من المخاطر.
ويتمثل الفارق الأساسي في طبيعة استخدام مخرجات الذكاء الاصطناعي: هل هي مجرد فكرة سيجري اختبارها لاحقًا في تجربة حقيقية، أم أنها بيانات اصطناعية سيُعتمد عليها مباشرة بوصفها دليلًا؟
قال عالم الأحياء الحاسوبية توماس برجر: «لم أفكر في الأمر من قبل، لكنني أعتقد أنه قد تؤدي الهلوسات إلى اكتشافات حقيقية».
يُعد فحص الأدوية أو البروتينات المرشحة من التطبيقات الأقل خطورة نسبيًا. إذ يمكن لنموذج للذكاء الاصطناعي تقييم عدد كبير من المرشحين بسرعة، ثم اختيار مجموعة أصغر منها لإخضاعها للاختبارات المعملية.
إذا أخطأ الذكاء الاصطناعي، فقد يستبعد الباحثون مرشحًا دوائيًا ربما كان فعالًا، أو يهدرون الوقت والمال في دراسة مرشح يتضح في النهاية أنه غير فعال. ومع ذلك، سيظل على المرشح الدوائي الذي وقع عليه الاختيار أن يثبت تأثيره من خلال تجربة حقيقية قبل أن يُقبل بوصفه اكتشافًا علميًا.
لكن مستوى الخطر يرتفع عندما تبدأ البيانات التي يولدها الذكاء الاصطناعي بالحلول محل القياسات التجريبية الفعلية.
قد تساعد البيانات البيولوجية الاصطناعية على استكمال القياسات المفقودة، وحماية خصوصية المرضى، وإنشاء مجموعات للمقارنة، وخفض تكاليف الأبحاث، أو تقليل عدد الحيوانات المستخدمة في التجارب.
لكن إذا أضاف الذكاء الاصطناعي سمةً لم تكن موجودة من قبل في الطبيعة من الأساس، فقد يعتقد العلماء أنهم اكتشفوا تأثيرًا بيولوجيًا لم يحدث في الواقع من قبل. وفي هذه الحالة، لن يكون النظام قد ارتكب مجرد خطأ في التنبؤ بنتيجة تجربة، بل ستصبح المعلومة التي اختلقها جزءًا من الأدلة التي يستند إليها ادعاء علمي.
قال برجر: «في معظم الأحيان، لا تتمثل المشكلة حقًا في مقارنة هلوسة الذكاء الاصطناعي باكتشاف بيولوجي حقيقي ووضعهما جنبًا إلى جنب».
«إن المشكلة تتعلق بدرجة أكبر بتعرض البيانات الحقيقية للتشويه بسبب الهلوسة في أثناء إجراء عملية حسابية معقدة، تعتمد جزئيًا على الذكاء الاصطناعي التوليدي، وتحول المعلومات الخام التي تُجمع باستخدام تقنيات حيوية معقدة إلى أوصاف بيولوجية صحيحة للآليات الجزيئية».
بعبارة أخرى، قد يغير الذكاء الاصطناعي، في أثناء تحليله لبيانات حقيقية، جزءًا من المعلومات بطريقة يصعب اكتشافها. وقد يؤثر هذا التغيير الخفي في المعلومات في الاستنتاج الذي يتوصل إليها الباحثون، دون أن يؤدي إلى ظهور نتيجة مختلقة بوضوح يمكن اكتشافها بسهولة.
«إذا تعرضت بعض الإشارات أو المعلومات في أثناء هذه العملية للتشويه أو التضخيم أو التغيير بأي شكل قد يؤدي إلى استنتاجات بيولوجية نهائية مختلفة، فقد يواجه الباحث صعوبة في ملاحظة ذلك، ما لم يكن لديه فهم عميق لكيفية عمل الذكاء الاصطناعي التوليدي».
ظهر مثال واقعي على هذه المشكلة مع نظام الذكاء الاصطناعي AlphaFold 3.
في دراسة نُشرت عام 2024 في مجلة Nature، أوضح مطورو نظام الذكاء الاصطناعي AlphaFold 3 أن النموذج قد يُنتج تراكيب وهمية في المناطق غير المنتظمة من البروتينات، مع أن عدم ثقة الباحثين المسبقة والكلية في النموذج قد ينبههم إلى وجود مشكلة.
لا تؤدي أخطاء الذكاء الاصطناعي دائمًا إلى جعل تأثير غير موجود يبدو حقيقيًا. فقد يضيف النموذج قدرًا كبيرًا من التشويه إلى البيانات بحيث يتعذر على الباحثين ملاحظة تأثير بيولوجي حقيقي، ما قد يؤدي إلى فقدان دليل مهم على أن علاجًا معينًا فعال بالفعل.
لم يخطر ببال برجر من قبل أن تساعد هلوسة الذكاء الاصطناعي في اكتشاف بيولوجي حقيقي.
«لم أفكر في هذا الاحتمال من قبل، لكنني أعتقد أنه من الممكن أن تؤدي بعض الهلوسات إلى اكتشافات حقيقية».
قارن برجر هذا الاحتمال بالاكتشافات غير المتوقعة التي قد تنتج عن أخطاء معملية تحدث في المختبر.
«لطالما كان العلماء يدركون أن الاكتشافات قد تأتي أحيانًا بالمصادفة والخطأ، وفي النهاية، لا ينبغي أن يهم من الناحية الأخلاقية أو من حيث مستوى التحقق اللاحق المتوقع ما إذا كانت هذه المصادفة قد نشأت عن هلوسة من الذكاء الاصطناعي التوليدي أو عن خطأ آخر في المختبر».
لكن العامل الحاسم هو كيفية استخدام الباحثين لمخرجات الذكاء الاصطناعي. فإذا تعاملوا معها بوصفها فكرة تحتاج إلى الاختبار، فقد تظل الهلوسة مجرد فرضية فاشلة. أما إذا تعاملوا معها باعتبارها ملاحظة حقيقية، فقد تتسلل معلومة مختلقة ومقنعة إلى الأدلة العلمية، ويُتعامل معها خطأً على أنها حقيقة بيولوجية.
في النهاية، حتى أكثر النتائج إثارة التي يقترحها الذكاء الاصطناعي لا يمكن اعتبارها اكتشافًا علميًا قبل التحقق منها بشكل مستقل من خلال تجربة حقيقية.


















0 تعليق