هل يمكن لثقب أسود أن يتبخر؟ تجربة مخبرية تقترب من الإجابة

انا اصدق العلم 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

من المعروف أن لا شيء يفلت من قبضة الثقوب السوداء التي لا فكاك منها. هذا صحيح إلى حد بعيد، لكن علماء الفيزياء توقعوا منذ سبعينيات القرن الماضي أن الثقوب السوداء قد تفقد طاقتها تدريجيًا على هيئة إشعاع حراري.

​يُعرف هذا الإشعاع باسم إشعاع هوكينغ. ورغم نجاح العلماء في محاكاته داخل نظائر مختبرية للثقوب السوداء، فإن الآلية التي يستنزف بها الطاقة من الثقب الأسود، المعروفة باسم التأثير الرجعي، ظلت عصية على الرصد والفهم.

​الآن، تمكن فريق من علماء الفيزياء بقيادة لورينزو بروكوبيو من جامعة بادربورن في ألمانيا من رصد نظير للتأثير الرجعي لإشعاع هوكينغ، وذلك باستخدام نظير لثقب أسود مصنوع -على نحو يبعث على المفارقة- من الضوء.

​قال بروكوبيو: «يبسط هذا الفهم النظري، ويفتح آفاقًا جديدة لحساب التأثيرات في مثل هذه الأنظمة. وقد يسهم أيضًا في توضيح كيفية نشوء إشعاع هوكينغ في إطار الجاذبية».

​تُعد الثقوب السوداء من أغرب الأجرام وأكثرها تطرفًا في الكون، فهي شديدة الكثافة لدرجة أنه بمجرد الاقتراب منها مسافة كافية، يصبح الإفلات من جاذبيتها أمرًا مستحيلًا.

​لتوضيح ذلك، تخيل صاروخًا ينطلق من الأرض، إذ يجب أن يبلغ سرعة معينة تُعرف باسم سرعة الإفلات حتى يتمكن من التغلب على جاذبية الأرض. ولا يوجد في الكون ما يستطيع بلوغ سرعة الإفلات من ثقب أسود، حتى الضوء نفسه. ويُعرف الحد الذي يصبح بعده الضوء عاجزًا عن الإفلات من جاذبية الثقب الأسود باسم أفق الحدث.

​طرح الفيزيائي ستيفن هوكينغ عام 1974 فرضية إشعاع هوكينغ، وهو إشعاع الجسم الأسود الذي يُتوقع أن ينشأ نتيجة التأثيرات الكمومية بالقرب من أفق حدث الثقب الأسود.

​مع أن إشعاع هوكينغ يُعد من أكثر تنبؤات نظرية الحقول الكمومية في الزمكان المنحني رسوخًا وقبولًا، فإن الكيفية الدقيقة التي تنتقل بها الطاقة من الثقب الأسود إلى هذا الإشعاع ما تزال سؤالًا مفتوحًا.

​تتمثل العقبة الرئيسة في المشكلة نفسها التي تواجه دراسة الثقوب السوداء دائمًا: وهي أن رصد إشعاع هوكينغ رصدًا مباشرًا غير ممكن في الوقت الحالي. بل إن الإشارة المتوقعة خافتة إلى درجة قد لا نتمكن معها أبدًا من تمييزها عن إشعاع الخلفية الذي يملأ الكون.

​هنا يلجأ علماء الفيزياء إلى ابتكار حلول بديلة، فبدلًا من دراسة الثقوب السوداء مباشرة، يبنون أنظمة مختبرية تحاكي المبادئ الفيزيائية الأساسية التي تحكمها.

​بعض هذه النماذج بسيط على نحو يثير الدهشة، فمثلًا يمكن استخدام الماء وهو يدور حول فتحة التصريف لمحاكاة انسياب الزمكان حول ثقب أسود. في المقابل، تعتمد نماذج أخرى على مكثفات بوز-أينشتاين فائقة البرودة أو سلاسل من الذرات لإعادة إنتاج الظواهر الفيزيائية المرتبطة بأفق الحدث.

​أما النموذج المستخدم في هذه الدراسة، فقد طوره قبل أكثر من عقد المؤلف المشارك في الدراسة أولف ليونهارت من معهد وايزمان للعلوم. يعتمد هذا النموذج على نبضات ليزر فائقة السرعة تنتقل عبر ليف بصري صُمم ببنية خاصة، إذ تُغير النبضة الأولى الخصائص البصرية لليف بالقدر الكافي لتكوين نظير لأفق الحدث بالنسبة للنبضة الثانية.

​نجحت تجارب سابقة أُجريت باستخدام هذا النظام في محاكاة إشعاع هوكينغ نفسه. أما في هذه الدراسة، فكان الباحثون يدرسون ظاهرة أدق، وهي التأثير الرجعي الضئيل الذي يكشف كيفية انتقال الطاقة من نظير الثقب الأسود إلى الإشعاع الذي يصدره.

​لتوضيح مفهوم التأثير الرجعي، قد يكون من المفيد أن نتذكر أحد قوانين نيوتن: تخيل أنك وصديقك تقفان على حذاءين مزودين بعجلات، فإذا دفعت صديقك، سيتحرك إلى الأمام، لكنك ستتحرك إلى الخلف أيضًا. فلكل فعل رد فعل مساو له في المقدار ومعاكس له في الاتجاه: قانون نيوتن الثالث للحركة.

​يُعد التأثير الرجعي النظير المقابل لهذا الارتداد في نموذج الثقب الأسود، فمع حمل إشعاع هوكينغ للطاقة بعيدًا، لا بد أن يفقد النظام الذي ولده مقدارًا مكافئًا من الطاقة. وكان الباحثون يسعون إلى رصد هذا الضياع الضئيل في الطاقة.

​عندما أرسل الباحثون نبضات الليزر عبر الليف البصري، لم يكن اهتمامهم منصبًا على الجسيم الذي اندفع إلى الأمام كما في المثال السابق، بل على أثر الدفع في الجسم الذي أحدثه. وبالتحديد، كانوا يبحثون عن انزياح طفيف في نبضة الليزر التي ولدت نظير إشعاع هوكينغ.

​نجح الباحثون في رصد هذا التأثير، وهنا كانت المفاجأة، فقد كان علماء الفيزياء يعتقدون سابقًا أن إشعاع هوكينغ المرصود في نظائر الثقوب السوداء ينشأ عبر سلسلة معقدة من التفاعلات البصرية، لكن النتائج الجديدة تشير إلى أن كلًا من إشعاع هوكينغ والتأثير الرجعي ينشآن من عملية واحدة ومباشرة، ما يقدم تفسيرًا طبيعيًا لكليهما.

​«تُظهر تجربتنا والإطار النظري الذي تستند إليه أن إشعاع هوكينغ ينشأ عن عملية مباشرة، إذا كان التفاعل بين الإشعاع وما يعادل المجال الثقالي تفاعلًا ثنائي التربيع».

«ربما تُصدر الثقوب السوداء الحقيقية إشعاعها عبر آلية بسيطة ومباشرة كالتي رصدناها في تجربتنا. وإذا كان الأمر كذلك، فإن التأثير الرجعي الناتج عنها قد يوضح، على المستوى المجهري، كيفية تبخر الثقوب السوداء».

مع ذلك، فمن المرجح أن يظل رصد هذه الظاهرة حول ثقب أسود حقيقي أمرًا مستحيلًا على المدى المنظور. لكن إذا رُصدت هذه الآلية في أنواع أخرى من نظائر الثقوب السوداء، فسيعزز ذلك الفرضية القائلة إن الباحثين قد اكتشفوا آلية أساسية تقف وراء إشعاع هوكينغ نفسه.

​إذا صح ذلك، فقد يسهم في حل بعض من أكثر المشكلات استعصاءً في الفيزياء النظرية للثقوب السوداء.

​«قد تسهم هذه النتائج في توضيح مفارقة المعلومات، وهي إحدى المشكلات التي ظل ستيفن هوكينغ يحاول حلها حتى آخر ورقة بحثية نشرها عام 2018».

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق