الحجاب والموضة في تركيا… من الاحتشام إلى صناعة الأزياء

منذ 54 دقيقة

لفترة طويلة، كان الحديث عن الحجاب في تركيا يقود مباشرة إلى السياسة. فمنذ السنوات الأولى للجمهورية، ارتبط اللباس بفكرة أوسع عن شكل الدولة والمجتمع والمرأة الحديثة. كان المطلوب بناء مواطن جديد، وكان المظهر واحدا من الأدوات التي استُخدمت للتعبير عن هذه الحداثة. وقد اكتسب اللباس الغربي مكانة خاصة، بينما جرى التعامل مع كثير من أشكال اللباس المرتبطة بالدين بوصفها امتدادا لعالم يفترض أن تتجاوزه الجمهورية الجديدة.
لكن قصة الحجاب التركي أخذت لاحقا مسارا أكثر تعقيدا. خلال العقود التالية، وبالأخص خلال الثمانينيات، تحول من علامة دينية واجتماعية إلى موضوع للصراع السياسي، ثم دخل، بالتدريج، في بداية القرن الجديد، عالم الاستهلاك والإعلان والتصميم والمجلات ووسائل التواصل الاجتماعي. وأصبح من الطبيعي في السنوات الأخيرة ظهور نساء محجبات يعملن في صناعة عالم الأزياء الاسلامية بتفصيلاتها الجديدة. هذه التحولات هي محور كتاب «الإسلام، الإيمان والموضة: صناعة الأزياء الإسلامية في تركيا» للباحثة الأنثروبولوجية الرومانية ماغدالينا كراسيون. الكتاب مبني على بحث إثنوغرافي أجرته المؤلفة بصورة أساسية في إسطنبول، داخل المتاجر وورش المصممين وعروض الأزياء وجلسات التصوير ومجلات الموضة.
تبدأ القصة من العلاقة التي أقامتها الجمهورية التركية الجديدة بين اللباس والحداثة. كان اللباس الغربي يقدم باعتباره جزءا من صورة المواطن الحديث، بينما بدت الأشكال الدينية والتقليدية من اللباس في الخطاب العام أقرب إلى الماضي. استخدمت الدولة القوانين لتغيير بعض أنماط اللباس، كما استخدمت أدوات ثقافية واجتماعية مختلفة، مثل الصحف والمجلات والروايات والصور وحفلات الرقص ومسابقات الجمال وعروض الأزياء. وأصبحت صورة المرأة الحديثة مرتبطة بصورة المرأة غير المحجبة. بهذا المعنى، حمل اللباس وظيفة اجتماعية تتجاوز الجسد. كان يشير إلى موقع صاحبه من مشروع الحداثة التركية وإلى الطريقة التي يريد أن يقدم بها نفسه في المجال العام.
وخلال العقود التالية بقي الحجاب جزءا من هذا الانقسام. ومع قدوم الثمانينيات تقريبا، ظهرت شرائح محافظة أكثر حضورا في المدن التركية، وازدادت قدراتها الاستهلاكية، واتسع حضورها في التعليم والعمل والتجارة. ومع هذا التوسع ظهر سؤال عملي، يتمثل في كيف ترتدي النساء الحجاب، وفي الوقت نفسه يعشن داخل المدن ويذهبن للعمل والجامعات. في البداية كانت الإجابة بسيطة نسبيا. أنتجت الشركات معاطف طويلة وواسعة وملابس بألوان هادئة وأقمشة سميكة. وكان هدفها المعلن توفير لباس يتطابق مع مفهوم السترة. وهذا ما نراه مثلا من خلال شركة «تكبير» التي تأسست عام 1982 في حي الفاتح المحافظ داخل إسطنبول. بدأت الشركة من ورشة تنتج ملابس لبعض الجماعات الدينية، ثم توسعت إلى بيع الملابس الجاهزة. لكن عام 1992 وقع تحول رمزي مهم في حياة الشركة عندما قررت تنظيم عرض للأزياء. بدا من خلال هذا الحدث أن هناك أزياء إسلامية وحجابا يتقاربان مع عالم الموضة. ومنذ تلك اللحظة ظهر سؤال سيستمر طوال العقود اللاحقة في عالم اللباس الإسلامي التركي، وهو كيف يمكن صناعة موضة هدفها أن تكون جميلة ولافتة، وفي الوقت نفسه تقدم نفسها باعتبارها لباسا محتشما؟

عندما تغير شكل الحجاب

مع دخول هذه الملابس إلى منظومة الموضة، بدأت القطع نفسها تتغير. أصبح المنتج يتأثر بالموسم. تتغير الألوان والأقمشة والنقوش والقصات. وظهرت محاولات لصنع ملابس تتماشى مع اتجاهات الأزياء العامة مع المحافظة على قدر من التغطية. وبدلا من عبارة «اللباس المستور» أخذت تظهر عبارة جديدة في عالم مصممي الأزياء مثل «اللباس الملائم إسلاميا». فبعض الشركات التي بنت تاريخها على إنتاج ملابس النساء المحجبات أخذت ترفض تعريف نفسها باعتبارها جزءا من «قطاع الملابس الإسلامية» وباتت تفضل القول إنها شركة ملابس أو أزياء وحسب. التحول الأهم وقع عندما توقفت المرأة المحجبة عن كونها مجرد زبونة لهذه الشركات، ودخلت بنفسها إلى عملية الإنتاج. كانت هناك فئة من النساء ترى أن الشركات القديمة توفر الاحتشام، لكنها لا توفر بالضرورة الذوق الذي تريده النساء الأصغر سنا. ومن هذا الفراغ ظهرت المصممة المحجبة. تميزت هؤلاء النساء، كما يشرح الكتاب، بقدرتهن على فهم الزبونة لأنهن يعشن التجربة نفسها. يعرفن كيف تتحرك المرأة بالثوب، وما الذي يمكن أن يظهر من الجسد، وكيف يثبت غطاء الرأس، وما الذي تعتبره المحجبة مريحا أو مناسبا. وفي الوقت نفسه، كن يتابعن عالم الموضة العام ويبحثن عن الأقمشة والألوان والأشكال الجديدة. وسرعان ما ظهرت شخصيات تتحول إلى ما يشبه صانعات الاتجاهات. تتابع النساء ما ترتديه المصممة أو المدونة، ثم يبحثن عن القطعة نفسها أو طريقة لف الحجاب نفسها.

أنستغرام يغير السوق

وسائل التواصل الاجتماعي سرعت هذا التحول بصورة كبيرة. كانت المدونة أو المصممة تبدأ أحيانا بحساب شخصي تعرض فيه ملابسها. تنشر صورة كاملة للزي، ثم تذكر القطع التي ارتدتها وكيف نسقتها. ومع زيادة المتابعين يتحول الحساب إلى وسيلة مهنية، حيث تظهر الإعلانات، وتأتي طلبات التعاون مع الشركات، وقد تفتح صاحبة الحساب متجرا أو تطلق علامة تجارية خاصة بها. هكذا أصبح الجسد الشخصي نفسه جزءا من العمل. كما أن المصممة لم تعد تحتاج إلى انتظار مجلة كبيرة كي تعرض تصميمها. تستطيع ارتداءه وتصوير نفسها ونشر الصورة والوصول مباشرة إلى آلاف النساء. وبذلك ولد نوع جديد من رأسمال الموضة، يتمثل في عدد المتابعين، والحضور على الإنترنت، والقدرة على إنتاج صورة مقنعة، والقدرة على تحويل الذوق الشخصي إلى علامة تجارية.
ولا ينفصل ذلك عن صعود التجارة الإلكترونية. يتحدث الكتاب عن شركات تركية تخصصت في بيع ملابس المحجبات عبر الإنترنت، وعن علاقة هذه المنصات بالمصممات الصغيرات اللواتي أصبحن قادرات على إيصال منتجاتهن إلى جمهور أكبر.

صورة المرأة المحجبة
يخصص الكتاب فصلا كاملا للصورة، لأن صناعة الموضة لا تقوم على الملابس وحدها. الملابس تصبح موضة عندما تعرض وتصور وتنشر ويجري تقليدها. في هذا السياق نتعرف على تجربة مجلة «آلا» التركية التي ظهرت عام 2011، باعتبارها من أوائل مجلات الموضة الموجهة إلى النساء المحجبات في تركيا.
المجلة لم تكن تعرض الملابس فقط، كانت تعلم قارئاتها أيضا لغة الموضة، مثل كيفية تنسيق القطع وفهم الاتجاهات الجديدة في عالم الموضة.
لكن تصوير المرأة المحجبة أدخل العاملين في المجلة في سلسلة من المشكلات، كما في حالة طريقة وقوف العارضات أمام الكاميرا، وكيفية إظهار جسد العارضة، ومكياج العارضة ومدى مناسبته. تظهر هنا مفارقة لافتة، تحتاج المجلة إلى صورة جميلة حتى تنجح باعتبارها مجلة أزياء، لكن نجاح الصورة في جذب الأنظار قد يجعلها عرضة للانتقاد، باعتبارها تجاوزت فكرة الاحتشام التي يفترض أن تمثلها. ولهذا يصبح إنتاج صورة واحدة عملية تفاوض بين المصور والمحررة والمنسقة والعارضة، ومعايير الموضة من جهة، وفكرة الاحتشام من جهة أخرى. وبالتالي نكون أمام عملية تفاوض مستمر على شكل وعالم اللباس الإسلامي من ناحية، وأيضا نكون أمام جدل باتت تثيره المصممات الجديدات حول من يملك الحق في تعريف الجمال الإسلامي، وحتى فكرة السترة، وأيضا فكرة الذوق والحداثة نفسها في تركيا.
ما حدث في عالم الموضة التركية خلال العقود الأخيرة، هو أن هناك امرأة محجبة ومتدينة تحب الموضة، وهناك شركة يملكها محافظون لا تريد وصف منتجاتها بأنها «إسلامية». وهناك مصممة تقدم ثيابا للمحجبات، لكنها تتحاشى القول إنها تحدد ما هو اللباس الصحيح دينيا. وهناك زبونة تريد أن تغطي جسدها وأن يكون لباسها جميلا ومختلفا في الوقت نفسه. ولهذا ترى كراسيون، أن صناعة الموضة الإسلامية تتحرك باستمرار بين الجمال والأخلاق والسياسة والاقتصاد. فالثوب يجب أن يباع، وأن يكون جميلا، وأن يحقق قدرا من الاحتشام، وأن ينجو في الوقت نفسه من الانتقادات الدينية والاجتماعية.
وهذه المستويات الأربعة باتت مرتبطة أكثر من السابق بالحياة اليومية للمدن التركية في السنوات الأخيرة، والسوق والطبقات الإسلامية الجديدة والذوق والصورة الرقمية.. وهو ما جعل عملية صناعة اللباس والموضة الإسلامية أكثر تعقيدا وارتباطا بالعالم وتغيراته.

كاتب سوري

✎

فريق تحرير مصري فور نيوز

فريق التحرير في مصري فور نيوز — نتابع الخبر من مصادره ونقدّمه لك محرَّراً ومراجَعاً على مدار الساعة.

أخبار ذات صلة

0 تعليق