يامال أو زيدان؟ نختار من يرقص؟!

منذ 2 ساعة

لم تعد شهرة لاعب الكرة تقاس بعدد الأهداف، ولا أرقام التمريرات الحاسمة، لا تعلو بالإحصائيات ولا الألقاب التي حصدها وكفى، فمثلا لامين يامال راكم من النّجاحات ما لم يبلغه لاعب آخر، مع أنه لم يتعد التّاسعة عشرة من عمره، بل إن هذا الشاب أعاد تعريف الموهبة في كرة القدم، بل كسب أغلى الألقاب عندما رفع كأس العالم هذا الصيف، مع ذلك فإن شهرته لم تلتئم من دون مواقع التّواصل الاجتماعي، فقد تحوّل إلى أيقونة، أو بالأحرى إلى ترند، وفي مرّات إلى ميمز، لا سيما على «تيك توك» و»أنستغرام»، وفي مختلف المنصات التي ينشط فيها على الدّوام يتجاوز عدد متابعيه رقم 100 مليون متابع.
فنحن نتحدّث عن ظاهرة رقمية وليس مجرد موهبة كروية، ومن متابعيه عدد لا يحصى من العرب، لا سيما من شباب ومراهقين، أو من يطلق عليهم «جيل الزّد». إنّهم متابعون بين الخامسة عشرة والعشرين من أعمارهم. صاروا يرون في يامال صوة لهم، كأن اللاعب تحوّل كذلك إلى ناطق باسمهم، إنه يعبر عن النّجاح الذي يرجوه كلّ واحد من هذا الجيل. بل باتوا يقلّدون حركاته ويحاكون الفيديوهات التي ينشرها، يكرّرون رقصاته وإشاراته وأفعاله وقصة شعره، وكأنهم هو معلم والآخرون تلاميذ في حضرته.
إن خرجاته في الـ»سوشيال ميديا» استحالت أكثر شهرة من مراوغاته أو أهدافه في الملعب، لأن اللاعب يزداد سمعة عندما يتحوّل إلى فيديو أو صورة، عندما يندمج في الخوارزميات وينزع عن صدره قميص اللعب. وكذلك فعل هذا النّجم الإسباني، وعلى الرّغم من أنه لا ينطق بالعربية في خرجاته، لكن الشباب العربي يشعرون بقرب نحوه، وفيديوهات يامال تحتلّ الحيز العربي في المواقع الرّقمية، بل صار الشباب يشابهونه في ملابسه وفي خفّة دمه وفي طريقة ابتسامه أمام الكاميرا.
ولم يعد اللاعب الصارم، الأكثر جديّة في المستطيل الأخضر أو خارجه، لم يعد يغري أحدًا من شباب «جيل الزّد». إذا أخذنا زين الدّين زيدان مثلًا، فهذا الأخير، رغم ما فعله طوال سنين مضت، عندما حاز على الألقاب الممكنة كلّها، تقمص ألوان منتخب من الصفّ الأول، ولعب في صفوف نادٍ من الأشهر في العالم، لكن زيدان لم يتحوّل إلى ترند، ولم يكسب قلوب الشباب على «السوشيال ميديا»، ورغم أن الرّجل يشرف على مؤسسة خيرية، وتُعرف عنه الجدية وقلّة الانشراح أمام الكاميرات، ومع ذلك لم يفلح في كسب متابعين، كما يفعل شاب لم يبلغ العشرين، على غرار يامال. فلاعب الكرة يتحوّل إلى ظاهرة في العوالم الافتراضية عندما يرقص، والرّقص من شأنه أن يرفع من متابعيه، في العالم العربي وغيره، والشاب الجديد يحب المزاح والحركة، لا يهوى أن يرى وجها عابسًا قليل الضّحك.
ومن المقدّر كذلك أن الأوساط البسيطة التي خرج منها لامين يامال زادت من شعبيته في البلاد العربية، إنه صورة عن شباب يعانون مثلما عانى في وقت مضى، ونجاحه يتيح لهم الحلم بالنّجاح بدورهم.
عندما نتابع التعليقات التي تتعدّى الآلاف في منشورات هذا اللاعب نصادف أن عددًا معتبرًا منها بالعربية، فالشاب العربي لا يدخل للمشاهدة ثم الانصراف، بل يترك أثرًا، علامة يثبت بها حضوره، وكأن التعليقات على يامال في حدّ ذاته مكسب له، وكأنّ الشاب العربي بفعلته كسب نقطة ولفت انتباه اللاعب.
تحوّل لامين يامال إلى طبق يومي على موائد العرب، يبدأون يومهم بمشاهدة فيديوهاته ويختتمون يومهم بمشاهدته وهو يلعب، سواء في مباراة حديثة أو استعادة مباراة قديمة، فقد أدرك هذا الشاب – على حداثة سنّه – وربما بمساعدة أناس من حوله، سلطة الخوارزميات، وأن الموهبة وحدها لا تكفي، إذا لم تترافق مع تقرّب من الجماهير، بأن يعيش حياته خارج الملعب، مثلما يعيشها داخله، أي بالشغف نفسه، وصار كلّما أنهى مباراة يستحم وينصرف إلى موهبته الثانية، يمسك الموبايل ويصوّر نفسه في وضعيات عشوائية، تتراوح بين المزاح والفظاظة، لكنها فظاظة مسليّة، يراهن على الابتسام وعلى إشاعة البهجة في قلوب متابعيه، ويبدو أنه من حيث لا يعلم بصدد تأسيس ظاهرة جديدة، قد تمتدّ في المحيط العربي عما قريب، وقد تمس لاعبي الكرة، كما تصل إلى منشغلين في حقول أخرى، ومفادها أن النّجاح لا يتأتى من مجرد موهبة أو عمل، بل كذلك بالانخراط في «الترند»، بأن يدنو كلّ شخص يرغب في النّجاح خطوة صوب جيل الزّد، أن يلاقيهم في العوالم الافتراضية لا الواقعية، أن ينزع عن نفسه قناع العبوس ولا يفعل مثلما فعل زيدان، ألا يلتزم ببروتوكول بل بالسخرية والتلقائية، أن يقترب خطوة نحو الجماهير لا أن يتخذ مسافة منهم.
ورغم أنه لا ينطق العربية ولا يبالي بلغة أخرى في كسب محبّين، مع ذلك فإن الصورة أو الفيديو كفيلان بقول ما يريد إيصاله إلى الشباب والمراهقين.
يكفيه موبايلا ومكانا مغلقا أو مفتوحا، في قاعة رياضة أو غرفة، في حديقة أو جنب شاطئ، فيسجل أهدافًا في مباراته الأخرى، وهي مباراة «السوشيال ميديا».

 كاتب من الجزائر

✎

فريق تحرير مصري فور نيوز

فريق التحرير في مصري فور نيوز — نتابع الخبر من مصادره ونقدّمه لك محرَّراً ومراجَعاً على مدار الساعة.

أخبار ذات صلة

0 تعليق