إلى أي مدى ثمة تمثيلات متعددة المستويات للآخر الصهيوني في الأدب العربي؟ وكيف يتجلى في السرد؟ يُعد الأديب الراحل الشهيد غسان كنفاني من أوائل الرواد الفلسطينيين والعرب، في تناوله وتسليطه الضوء على الآخر الصهيوني، واستنطاقه واستحضاره في المتن الروائي العربي، من خلال روايته «عائد إلى حيفا»، التي تعتبر بدورها أولى الروايات العربية التي حضرت فيها الشخصية الصهيونية بصورتها الروائية، ووضعها وجهاً لوجه مقابل القارئ العربي.
ولا تكمن مفارقة الرواية بقدرة كنفاني على اختراق الوعي الصهيوني وأسس تفكيره فحسب، وإنما بجرأته على منح الصهيوني صوتاً ليتحدث معبراً عن أفكاره وتصوراته، إضافة إلى نجاح الكاتب المشتبك مع مستعمِره بتحييد مشاعره كفلسطيني مشرّد ومُبعد عن أرضه، لكي ينشغل بتفكيك البنية الشعورية للصهيوني، وإن كان صهيونياً مكتسباً في حالة «دوف» الذي هو في الأصل «خلدون» ذلك الرضيع الذي وفي ذروة النكبة والتطهير العرقي، غفلت أمه «صفية» عنه وتركته في المهد، ليغدو بعد عشرين عاماً إبناً لأسرة صهيونية لم تتبنه فحسب، بل استولت على بيت أسرته الفلسطينية.
وبعيداً عن سؤال الهوية وحيثيات ومحددات اكتسابها وهو سؤال الرواية المركزي، فكنفاني وفي خضم تداعيات نكسة 1967 الكارثية، كان قد عزم على اختراق المفهومية الأدبية الصهيونية، مشتبكاً مع مضامينها الرئيسة، من خلال دراسته المرجعية «في الأدب الصهيوني» التي أصدرها أيضاً في أوج الصراع العربي الصهيوني، حيث سلّط فيها الضوء على كيفية مساهمة الأدب العبري في بناء الهوية القومية الصهيونية، وكيفية انخراط هذا الأدب في مهمات الاستعمار الصهيوني، القاضية بطرد وتهجير وتطهير وإبادة الفلسطينيين، بالإضافة إلى معالجة كنفاني لكيفية حضور الفلسطيني والعربي في الأدب الصهيوني، إذ هو حضور طارئ ومهمش ومغيب ومبتور اللسان، ولا يمتلك القدرة على البوح في السردية الصهيونية.
وما ان تمكّن كنفاني من أنماط التفكير الصهيوني بأشكالها الأدبية، حتى تفرّغ لكتابة روايته «عائد إلى حيفا»، من دون أن يخشى الوقوع في شراك التطبيع وحقول ألغام قد تؤدي إلى التعاطف مع الحضور الصهيوني في نصه، وما قام به في تلك الرواية ما هي إلاّ محاولة مبدئية لأنسنة الصهيوني، وليس التطبيع معه، إذ تصبح الأنسنة بهذا المعنى منشغلة بتفكيك عجائبية الكائن الصهيوني الخارق للعادة، وإنزاله من حالق معجزاته وإيمانه بأنه كائن مفارق ومتعالٍ ومشحوذ ببركات التوراة بصيغتها الصهيونية المعدّلة.
وهنا بالتحديد تكمن الخشية لدى الكاتب العربي المعاصر، عندما يرتدع عن الخوض في التيار المعرفي والأدبي الصهيوني في سياقه الاستعماري، بحجة خوفه من اتهامه بالتطبيع، وهذا ما يستدعي بدوره تحديد تعريفات ومبادئ واضحة للتطبيع، ومتى يكون، وعليه عندما يتناول الكاتب/ة في نص سردي معين شخصية صهيونية، متغاضياً عن السياق الخاص بهذه الشخصية، وهو في هذه الحالة سياق نظام الأبارتهايد الكولونيالي الصهيوني، فهذا سيعني تماماً تطبيعاً جلياً، وقع به الكاتب/ة إما عمداً، أو من دون قصد نتيجة عدم إلمامه بالبنى والمفهوميات الجامعة للفكر الصهيوني بمستوياته المعرفية والثقافية والسياسية والاجتماعية والأمنية والعسكرية، وكل ما كفل ويكفل دوام الإبادة الجماعية بحق الشعب الفلسطيني.
وبالتالي فإن الخوض والاشتباك مع الأدب الصهيوني بصورة نقدية واعية سيكفل حضور هذا الآخر المستعمر في الأدب العربي، من دون أدنى خشية من التطبيع والتعاطف معه، فالقضية هنا تصبح جزءاً لا يتجزأ من جبهة ثقافية ومعرفية عربية وكونية تتصدى وتواجه المقولات العنصرية والإبادية للأدب الصهيوني.
وهذا لا يتحقق إلاّ من خلال التحرر من أسر الصور النمطية البائسة للآخر الصهيوني، التي حضرت في أكثر من مستوى ثقافي وفني عربي، وبطريقة مزرية لم تمنح المتابع العربي سوى الخديعة والعجز عن قراءة الصهيوني، قراءة نقدية وندّية، ما أدى بالنهاية إلى انعزال القارئ العربي عن تهالك وتدافع بعض الهياكل العربية السلطوية، نحو التطبيع المباشر مع النظام الصهيوني ضمن ما تسمى باتفاقيات إبراهام، في الوقت الذي لم يسهم الأدب العربي في نشر المفاهيم المركزية للنظام الصهيوني وكيفية رؤيته للعرب عموماً، في نصوص أدبية خارجة عن الصور النمطية والتقليدية للصهيوني في الأدب العربي، والمقصود هنا مواكبة اتفاقيات التطبيع عبر التصدي لها أدبياً على الأقل بروايات تمتلك قدرة انتشارية في الأوساط العربية القارئة، وتمتلك في الآن ذاته الجرأة على تعريض القارئ العربي وتعريفه بالسياق الصهيوني الاستعماري وخطابه الشامل الذي تتأصل به العنصرية والفاشية والإقصاء.
والغريب اليوم هو غياب حضور الأدب الصهيوني بصيغته الأكاديمية في أقسام وكليات الأدب المقارن في العديد من الجامعات العربية، في الوقت الذي تحضر فيه الدراسات الأمنية والسياسية والديمغرافية وغيرها عن النظام الصهيوني لدى العديد من الباحثين والباحثات العرب، غير أن هذا الجهد البحثي لم يتم استثماره أدبياً حتى هذه اللحظة، إلاّ بصورة محدودة وأحياناً خجولة ومأسورة بالخشية من الاتهام بالتطبيع، وعليه من يمتلك الحق باتهام هذه الكاتبة أو ذلك الكاتب بالخيانة والتطبيع؟ وما هي محددات التطبيع ومتى يقع؟ ومتى سيعترف الأدب العربي أنه أدب غير مكتمل وغير كوني، ما دام يخشى ويتهرب من أسئلة حضور الآخر الصهيوني بصيغته الاستعمارية الفاشية داخل الأدب العربي بأبعاد جديدة تأملية ونقدية ومغايرة ومتحررة أيضاً من النمطية وداعشية التطبيع على عواهنه؟
كاتب فلسطيني














0 تعليق