ليس لي ما أريد

منذ 2 ساعة

ليس، كلمة عجيبة في العربية يعتبرها النحاة فعلا وقلة منهم تعتبرها حرفا، وهي إذا ما عدّت فعلا حسبت في قائمة الأفعال الناقصة وأدخلت في أسرة كان التي ترفع الاسم وتنصب الخبر. وهي تفيد النفي. في بحث النحاة العرب عن أصل ليس ردوها إلى طريق الفلاسفة فقالوا، إن أصلها نفي لأيس فأصلها لا أيس. ومعلوم أن بعض الفلاسفة يقابلون بين الأيسية والليسية.
تعني الليسيّة العدم، أو نفي الوجود على النقيض من الأيسية التي تعني الوجود. حين تقول أريد منك شيئا فأنت قد أوجبت إرادتك لشيء من المخاطب، والإيجاب يفيد الوجود في هذا السياق، ولكنّك يمكن أن تصير إلى قضية سالبة باستعمالك (ليس). القضية السالبة هي القضية التي تنفي وجود علاقة أو صفة بين موضوع ومحمول، ففي قولنا (ليس لي ما أريد) فإنّ ليس هي رابطة سالبة إذ أن أصل المعنى: (ما أريد ليس لي) وهي على قياس (ليس زيد موجودا) التي تعني وجود زيد ليس محققا. لكن إن قلنا (ليس لي ما أريد) لا نعني أن ما أريده غير موجود بل ما يراد من شخص مثلي ليس على ملكي، وهذا فيه فرق بين ملكية ما يراد ووجوده. فالشيء الذي أريده قد يكون موجودا بالفعل، وقد يكون حاضرا ومتحققا في العالم الخارجي، لكنّ الذي ليس متحققا هو كونه لي أو كونه داخلا في ما أملك أو ما يختص بي، فالسلب هنا لم يتوجه إلى الشيء ذاته، وإنما توجه إلى النسبة القائمة بيني باعتباري متكلم والشيء موضوع الكلام.
نعيش ونتمنّى أن يكون لنا شيء أو أشياء، ولكنّنا قد نمسي ونصبح دون أن تحوزه أيادينا؛ قد تكون لنا أشياء نريدها لكننا حين نتذكر أن هناك شخصا، أو شيئا ليس لنا نقول بإطلاق ليس لي ما أريد. وأنا وإن كنت أنفي المراد الذي تمنّيت أن يكون لي، فإنّي لم أنْفِ وجود مرادٍ آخر في حياتي غير أنّه في هذه اللحظة التي أستعمل فيها ليس، يكون غائبا عن ذهني أو مغيّبا؛ وفي ذلك الوقت لا أراه، بل أرى ما ليس لي فقط. ملكية ما يُراد شيء ووجوده شيء آخر. الملكيّة تعني أنّي أريد شيئا فيصبح المراد لي أنا كالمملوك.
لنفترض أنّي شابّ متيَّم بهوى شابة في عمري ويخيل إليّ أن حياتي لا تستقيم إلاّ بأن تكون معي ولي وملكي. لكنّ لها في الحقيقة وجودا ولي آخر وليس لي أن أمتلكها لا على الحقيقة ولا حتى على المجاز؛ ورغم ذلك أقول ليس لي ما أريد. ملكية ما يراد هو جزء من وجوده عندي وليس جزءا من وجوده مطلقا. فالليسية لم تنف أيسية الوجود عموما، بل نفت أيسية الوجود الذي ينبغي أن يكون لي أنا وهو ليس لي فعلا: فقد يكون المراد أيساً شيئا أي متحقق الوجود، ومع ذلك يكون ليسيا عندي من جهة تملكي له واختصاصي به. فالشيء يمكن أن يكون موجودا، وليس مملوكا لي في الوقت نفسه، ولا تناقض بين الحكمين لأنّ كل حكم منهما يتناول جهة مختلفة.

إن تناولنا مسألة النفي بليس إدراكيا، فمركز النظر لا يكمن في (ليس)، بل في (لي). لأنّ بؤرة الانتباه سوف تتركز داخل دائرة واسعة هي كل ما لي، ثمّ تختصّ بشيء من تلك الدائرة خارجا عنها، والأصل أن يكون مدمجا فيها هو ما ليس لي. هل ملكية الأشياء التي لي هي ملكية مادية؟ أم أن المادّي فيها والمجرّد يختلطان؟ بعبارة أخرى: هل الشيء يكون لي حقيقةً، أم أن إضافة الأشياء إلى النفس إضافة اعتبارية مؤقتة؟ فالإنسان يقول: لي مالي، لي جسدي، لي ما أريد، لكنّ وجود الأشياء التي لي يدفعني إلى التساؤل عن حقيقة الملك الحقيقي والملك المجرد. لكنّ الذهن حين يعالج هذه الملكية المفقودة، التي أريد لو كانت لي، فإنّه قد يطرح مسائل عميقة تتعلق بحقيقة ما أملك، وحدود التملك عند البشر. فالإنسان يريد شيئا، ويتعلق به، ثم يقول: «أريده لي». لكن عندما لا يحصل عليه يقول: ليس لي. يمكن أن يُفهم هذا على أنه انتقال من توهّم الملك إلى معرفة الافتقار: الإنسان لا يملك الأشياء ملكا مطلقا، وإنما يجد نفسه في علاقة مؤقتة بها. توهم الملك هو أن يتوهم العاشق مثلا أنّه بحبه غيرَه يمكن أن يتملكه ويصبح جزءا من ملكيّاته التي لديه.
في القديم ملك البشر البشر، واشترى الأغنياء الجواري التي ربما عشقوهن: كان الحبّ مقترنا بالملكية، وكان من الممكن أن يقول الرجل عن جاريته التي يعشقها لي ما أريد. ثمّ صار الزواج ضربا من هذا التمليك، فيكفي أن تتزوج لتقول لي ما أريد. الملكية والعاطفة مقترنتان في هذا المثال، ولكن حين يصبح الأمر مستحيلا بأن يبيع الحرّ جاريته التي يعشقها، فإنّه ينتقل إلى الليسية. في الأحوال التي نتوهم فيها الملك فإنّ الوجود لا يتوقف على إرادتي وعلى رغبتي في التملك. وهنا يحدث الافتقار: ليس بمعنى أنك تريد شيئا لست تصل إليه لفقر فيك، بل أنت تريده ولا تصل إليه لأنّ الوجود من أصله مفتقر إلى هذا الضرب من الملكية التي تتيح لأي بشر أن يملك من يحبّ بادّعاء أن الملك بيع وشراء للأنفس وتمليك للبشر.

وهنا يمكن أن يبدأ السؤال: إذا لم يكن ما أريده لي، فمن أين جاءت شرعية حرف الجر المقترن بياء النسبة (لي)؟ وهذا السؤال يقلب بؤرة الفكر؛ فبدلا من أن يكون الإنسان مشغولا بالشيء المفقود، يصبح مشغولا بالذات التي تدّعي الملك والرغبة. ومن هنا يمكن قراءة ليس في قولك (ليس لي ما أريد) قراءة أعمق: إنها لا تعني فقط نفي الملكية، بل يمكن أن تكون مناسبة لكشف تمثل الذات لعلاقته التملكية بالكون. إنها بشكل من الأشكال نسبة الإنسان إلى الأشياء والذوات التي يعتقد في تملكها. فالشيء ليس لي بمعنى الملك المطلق، وأنا لست مستقلا عنه استقلالا تاما، كما أن إرادتي ليست هي المعيار الذي يتحدد به وجود الأشياء. (ليس لي ما أريد) تبدأ بسلب الملك، لكنها قد تنتهي بسلب دعوى الملك؛ فما كنت أظنه لي وهو ما أريد ظل مرادا، ولكنّه ظلّ ليس لي.
وهنا تصبح الرحلة من لي إلى ليس لي، رحلة من المملوك الذي نريد إلى غير المملوك الذي نريد لو كنّا له مالكين، أمّا من جهة كونه موضوعا لما نريد فهو ثابت. إن عبارة (ليس لي ما أريد) لا تكشف فقط عن فقدان مطلوب، وإنّما عن وعي بفقد شيء مراد لم يكن لا من جهة وجوده، بل من جهة نسبته إليّ. قد تكون لها عين جميلة وأريد أن تكون عينها وما تراه لي، ولكنّه أمر لا يتحقق: فالعين وما تراه هي في حيز الوجود كائنة، ولكنّها من جهة ملكيتي لها ليست متحققة.
ومن هنا تصبح «ليس» لحظة تصحيح لحقيقة: أنّ ما كان مرادا (وهو أيسيّ) ليس مملوكا (وهذه ليسيته).. ولذلك فالسؤال ليس: لماذا لم أحصل على ما أريد؟ وإنما: كيف عرفت أن ما أريده ينبغي أن يكون لي؟ هذا هو التحول من المعرفة المباشرة بالشيء إلى معرفة شروط نسبته إليك؛ أي من معرفة ما تريد إلى معرفة الكيفية التي صار بها مملوكا. إنّها حكاية متنافرة ولكنّها متواترة أن يريد الناس شيئا ثمّ يتملكونه.

أستاذ اللسانيات بالجامعة التونسية

✎

فريق تحرير مصري فور نيوز

فريق التحرير في مصري فور نيوز — نتابع الخبر من مصادره ونقدّمه لك محرَّراً ومراجَعاً على مدار الساعة.

أخبار ذات صلة

0 تعليق