أثر النص القرآني في السرد العربي

منذ ساعة

عرف العرب السرد شأن كل الأمم والشعوب، لكن أي سرد لا يتطور أو تتغير ملامحه العامة والخاصة، ما لم تتوفر له شروط مختلفة عن نمط الحياة الذي كان سائدا مدة طويلة من الزمن. إن الشعوب التي لم تتفاعل مع غيرها من الشعوب، وظلت منغلقة على نفسها تظل سرودها تدور حول نفسها، وغير قابلة للتطور. قد يزداد عدد الحكايات والأخبار، وقد يبدع أشخاص من صلب مرويات متداولة نظائر لها مضيفين إليها أشياء جديدة. وقد تحتفظ الذاكرة الجماعية بما لا يحصى من المواد التي تراكمت مع الزمن، وتظل تتداول في مختلف المحافل والمناسبات. ولكنها وفق كل هذه الحالات تظل منغلقة على نفسها، وغير قادرة على التبدل أو التطور ما لم يحدث تحول كبير وجوهري في نمط حياتها.
يمكن ضرب مثال من السرد العربي الحديث الذي ما كان له أن يتطور، ويختلف عما كان سائدا قبل الاستعمار، لولا تفاعله مع ما تعرف عليه من خلال ترجمة السرد الغربي الحديث، والإحاطة بأشكاله وأنواعه المعاصرة له.
كما أننا نعاين هذا بجلاء في السرد العربي قبل الإسلام، لقد بقي يدور في فلك الوقائع المشهورة، والأيام المخلدة، والأخبار اليومية المتداولة، وما اختزنته الذاكرة عبر الزمن. وظف الشعراء بعضا منها في قصائدهم، فكانت الخرافات والأساطير، والحكايات والأخبار، وقصص الأمثال، وما شاكل هذا من السرود التي حفظت لنا كتب الأدب والأخبار والتواريخ والمصنفات الجامعة الكثير منها مع تطور عملية الجمع والتدوين. وبالنظر إليها من زاوية تحليلية تكشف لنا خصوصية المجتمع العربي ما قبل الإسلامي، وقيمه الفنية والأخلاقية، وطبيعة حياته، وما كان يتخللها من صراعات وتجاذبات. مع مجيء الإسلام، وتنزيل القرآن الكريم حدثت تحولات جوهرية على بنية العمل السردي وطبيعته ووظيفته في المجتمع الإسلامي. لقد مده بزخم جديد دفعه إلى التحول متجاوزا ما كان سائدا قبله، وأعطاه إمكانية التطور في سبل ما كان ليعرفها لولا ظهور السرد القرآني والنبوي من جهة، وبناء الدولة العربية الإسلامية من جهة ثانية.
لقد ساهم السرد القرآني في خلق صدمة للسرد العربي بما قدمه من قصص وأمثال، رغم أن بعضها كان معروفا. لكن طريقة تقديمها، والكيفية التي سردها بها حققت نوعا من التحدي، وفرضت أشكالا من التطور سواء على مستوى الإنتاج أو التلقي. إن السرد القرآني باعتباره جزءا من النص القرآني كان مختلفا عما كان متداولا في الخطاب اليومي والشعري العربي لغة ومادة وطريقة تقديم ودلالة. وقد أدى النص القرآني إلى تشكل الدولة العربية الإسلامية، التي أوجدت بنية اجتماعية وعقائدية مختلفة عما كان عليه المجتمع العربي قبل الإسلام. وكان من اللازم الانتهاء إلى أن خلق مجتمع جديد يستدعي سردا جديدا. وأن هذا السرد الجديد هو وليد التحول الذي أحدثه القرآن الكريم الذي أدى بدوره إلى تغيير المجتمع.
نختزل التحولات الكبرى التي أحدثها القرآن الكريم والدولة العربية الإسلامية في السرد العربي القديم، التي امتدت إلى العصر الحديث في مقومين جوهريين: المادة والفضاء. تتعلق المادة بالنص السردي القرآني في ذاته. أما الفضاء فيتصل بالمسجد الذي هو وليد المدينة الإسلامية. صار المسجد الموئل المركزي للتجمع لأداء الصلوات، وفي الوقت نفسه لتداول ما ورد في القرآن الكريم من قصص وأمثال، قدمت بطريقة جديدة سواء على مستوى الأسلوب، أو طريقة الأداء، أو نوعية الموضوعات.. وكانت الأحاديث النبوية تصب في المجرى نفسه. فمارس النبي (ص) نفسه سرد القصص بطريقة تنبع مما جاء به القرآن الكريم. فكانت العناية به من لدن الرواة تأكيدا لدور السرد في الحياة، فجمع القصص النبوي لما كانت فيه من خصوصية، سواء على مستوى طبيعته، أو وظيفته في المصنفات الجامعة على مدى عدة قرون.

تتجلى المادة السردية القرآنية بوضوح على مستوى الزمن. لقد تقسمت على ثلاث محاور. يتصل أولها بـ»عالم الغيب» المتعلق بسير الأولين، وقصص الأنبياء والأمم الغابرة. تعامل القرآن الكريم ما كان معروفا ومتداولا لدى أهل الكتاب، وبعض أنبيائهم. وما كان يعرفه العرب من أخبار وأساطير بطريقة مختلفة. لقد اتخذ منها موقفا نقديا، وأبان ما عرفته من تحريفات. ولم يكن القصد منها الإخبار فقط، مثل ما كان معهودا، ولكن أيضا تقديم معرفة حقيقية تتجلى من خلال الاتعاظ واتخاذ العبرة، وتشكيل رؤية جديدة للحياة. لقد تشكلت هذه المادة السردية من وقائع تاريخية، ومن أمثال مضروبة، أي من مدركات طبيعية قابلة للتحقق، ومن معجزات وعجائب وخوارق. أما المحور الثاني فتركز على «عالم الشهادة» من خلال سرد الوقائع والأحداث التي وقعت للرسول (صلى الله عليه وسلم) إبان نشره للدعوة الإسلامية، فكانت من جهة تمثيلا لوقائع مماثلة عاشها الرسل والأنبياء. ومن جهة ثانية تأكيد وضع التجربة الإنسانية وعموميتها، رغم الخصوصيات المتعلقة بطبيعة الزمان والمكان. وجاء المحور الثالث ليركز مرة أخرى على «عالم الغيب» من خلال الوقوف على نهاية الزمان، والحياة بعد البعث.

لقد تقدمت المادة السردية القرآنية باعتبارها منزلة من الله، ولا يمكن للمؤمن التشكيك فيها، أو الطعن فيها كما فعل المشركون عندما تلقوها في البداية، متعاملين معها على أنها أساطير الأولين (عالم الغيب). وستظهر بوادر السرد العربي متأثرة بالسرد القرآني، على سبيل التمثيل، في كتب التفسير، والمصنفات التاريخية، وما سيتولد عنها من تفسير، وشرح وتفصيل، وتأويل، فبرزت كتب «قصص الأنبياء»، وكان لها أثر في كتب التاريخ التي صارت تبتدئ بقصة الخلق، وتنتهي بأشراط الساعة والملاحم. أما ما اتصل بـ»عالم الشهادة» فيبدو لنا بجلاء من خلال حياة الرسول صلى الله عليهم وسلم «الواقعية»، التي كان لها أثر في كتب «السيرة النبوية»، ووقائع المغازي والفتوح، وما سيتصل بها بكل أنواع السير التي تتضمنها كتب التاريخ الإسلامي ومصنفات الأدب. أدى خلق مجتمع جديد بواسطة نص جديد، إلى خلق سرد جديد.
تكمن قراءة السرد العربي القديم قراءة تاريخية جديدة في إبراز أثر السرد القرآني في مختلف الأنواع السردية، وطريقة تحولها في الزمن للوقوف على خصوصية السرد العربي. كما أن تتبع آثارها في السرد الحديث، وما طرأ عليها من تحولات كبرى عرفها في صيرورته، وهو يتفاعل مع السرد الغربي، لفهم طبيعته ووظيفته في الحياة العربية.

✎

فريق تحرير مصري فور نيوز

فريق التحرير في مصري فور نيوز — نتابع الخبر من مصادره ونقدّمه لك محرَّراً ومراجَعاً على مدار الساعة.

أخبار ذات صلة

0 تعليق