دروس وعبر الحقبة الناصرية لتغيير الواقع

منذ ساعة

يصادف يوم الثامن والعشرين من سبتمبر/أيلول من كل عام ذكرى الرحيل المأساوي المبكّر للرئيس عبدالناصر، ذلك القائد العربي الفذ ليس لشعب مصر فقط، وإنما لكل شعوب أمته العربية، بل ولكثير من شعوب العالم الثالث آنذاك في افريقيا وجنوب أمريكا وآسيا. ومن هنا قال عنه نيكولاس مادورو بأنه كان القائد المتميز لحركة التحرر من الاستعمار في العالم كله، بينما قال عنه بخوف ورعب الصهيوني بن غوريون بأنه كان لليهود عدوان وجوديان هما فرعون مصر وهتلر ألمانيا، لكن عبدالناصر بزّ الاثنين في عدائه لوجدنا في فلسطين المحتلة، ومن هنا لم نبق على أية وسيلة لإزاحته والتخلص منه إلا استعملناها.
ولم تقل كراهية ومؤامرات الإمبريالية الخارجية، وعلى الأخص الأمريكية والأوروبية، ولا مع الأسف مؤامرات بعض المراجع الرجعية في بعض بلاد العرب عما أعلنته الصهيونية، قولاً وفعلاً.
ومنذ لحظة وفاته عملت كل تلك الجهات على تشويه كل ما قام به، أو قاله أو وقف بجانبه، وذلك من أجل محو كل ما بقي في الذاكرة الجمعية الشعبية والإسلامية من المبادئ القومية العروبية، التي نادى بها ومئات الخطابات النارية الثورية التي ألهب بها حماس الملايين من جماهير شعبه العربي. ومع ذلك ما زالت التجربة الناصرية، في داخل وخارج مصر، وبشأن مواقف ومناسبات وتجارب في الاقتصاد والتنمية على الأخص، لم تدرس بشكل علمي موضوعي شمولي، خصوصاً ما جاء في المئات من خطاباته المليئة بالدروس، لتعرف الأجيال الجديدة والقادمة ما لتلك التجربة الفذّة وما عليها، فتعود لتتبنّى ما كان متميزاً منها، ولتتجنّب ارتكاب أي أخطاء وقعت فيها. وحتى الكتيّب الصغير بعنوان «فلسفة الثورة»، الذي ألفه جمال عبد الناصر عام 1953، والذي يلخص فيه رؤيته الاستراتيجية لدور مصر العربي والإسلامي والعالمي لم يحصل على مراجعات كافية، مع أن فيه الكثير مما ينطبق على ويصلح لحاضرنا ومستقبلنا في الدوائر الثلاث التي شدد عبد الناصر على أهميتها لدراسة الدور المركزي لمصر في تلك الدوائر الثلاث.

دأب الكثيرون على تفضيل البكائيات، وترديد الذكريات المؤلمة في مناسبات الاحتفال بذكرى أبطالهم، بدلاً من قراءة أساليب عملهم ووقوع أخطائهم من أجل أن يكون التاريخ أحد أهم وأقوى مصادر تحريك ودفع وتحسين الحاضر والمستقبل

وهنا يجب أن لا ننسى الدرس الكبير الذي سنتعلمه عندما ندرس التجربة الوحدوية المصرية السورية المليئة بالدروس والعبر البالغة الأهمية لأية محاولات وحدوية عربية الآن أو مستقبلاً، سواء أكانت جزئية أم جهوية، أم كانت شاملة كما يريدها الكثيرون العاملون في ساحة العمل السياسي القومي العروبي، أم كانت في حقل من حقول الحياة المعيشية، مثل الاقتصاد أو الأمن أو التجارة أو الأمن المائي والغذائي أو البحوث العلمية والتكنولوجية أو غيرها كثير.
في كل ما سبق ستنجلي لنا القضايا التي أقضّت مضجع الزعيم الراحل إلى أبعد الحدود، مثل التخلف الصناعي والاقتصادي والأهمية القصوى للعدالة الاجتماعية، ومثل الأمن العربي الواحد وكل أنواع الوحدات العربية، وعدم الرضوخ لأية تبعية للقوى الخارجية العظمى، وعلى الأخص الامبريالية والرفض التام للاحتلال الصهيوني في فلسطين العربية، والوقوف مع أي شعب عربي شقيق في مقاومة الاستعمار، أو نضاله من أجل مقاومة الظلم الداخلي. ومثلما أراد عبدالناصر توحيد النضال العربي القومي في جبهة واحدة، ولكنه لم يوفق بسبب العديد من الأخطاء، فإن دراسة فشل قيام حركة شعبية عروبية واحدة آنذاك تحتاج أن تدرس ويعاد طرحها بأسس جديدة وبوسائل واقعية عملية جديدة، خصوصاً مع وجود تباعدات مؤلمة ومضرة ما بين الأحزاب والحركات القومية العروبية من جهة، وما بينها وبين الأحزاب والحركات الإسلامية السياسية التقدمية المعقولة من جهة أخرى.
في بلاد العرب والمسلمين دأب الكثيرون على تفضيل البكائيات، وترديد الذكريات المؤلمة في مناسبات الاحتفال بذكرى أبطالهم، بدلاً من قراءة تاريخ بطولاتهم وأساليب عملهم ووقوع أخطائهم، لا من أجل تكرار عبر التاريخ في الأساس، ولكن من أجل أن يكون التاريخ أحد أهم وأقوى مصادر تحريك ودفع وتحسين الحاضر والمستقبل. تاريخ حقبة عبدالناصر لا تستدر العطف والتفهّم والبكاء وإنما تستدرّ من أجيال الحاضر والمستقبل الإرادة والعزيمة والأفعال المغيرة للواقع المأزوم والمتخلف والتائه.

كاتب بحريني

✎

فريق تحرير مصري فور نيوز

فريق التحرير في مصري فور نيوز — نتابع الخبر من مصادره ونقدّمه لك محرَّراً ومراجَعاً على مدار الساعة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق