إنت من بلدنا؟

منذ ساعة

قبل أيام كنت في أحد مستشفيات حيفا لعيادة مريض من أبناء بلدتي، دخلت ممرضة شابة لتقيس ضغطه وحرارته، ابتسمت نحوي وسألتني: إنت من بلدنا؟
من السؤال وطريقته فهمت فوراً أنها من بلدي مجد الكروم، مع أنني لم أعرفها، فقلت: نعم، أنا من بلدك، ولكن اعذريني، أنت ابنة مَن ومن أي عائلة؟ ضحكتْ وقالت: أنا لست من بلدكم، ولكنني تحدثت معك بالطريقة التي يستعملها أهل قريتكم للتعرف بعضهم إلى بعض. أنتم دائمًا تسألون «إنت من بلدنا؟»، وكأنكم تتوقعون أن يعرف العالم كله أنكم من مجد الكروم!
أتمّت عملها وخرجت ضاحكة، وهي تمط آخر الكلام باللهجة المجدلاوية… إنت من بلدناااا؟
ربما في هذا السؤال الصغير شيء من سرّ هذه البلدة. فنحن بالفعل نتصرف أحياناً وكأن بلدتنا ليست مجرد مكان نسكنه، كأن كل من وُلد فيها يحمل كلمة سرّية يتعرف بها إلى الآخر.
إنها ليست قرية وُلدت في تاريخ نستطيع وضعه على رأس شهادة ميلاد، ولا نعرف أول بناء فيها نستطيع أن نشير إليه ونقول… من هنا بدأت البلدة. المكان أقدم من الوثيقة، وأقدم من ذاكرة الأجداد التي وصلت إلينا. ترَك الذين مروا هنا آثارهم في الصخر والأرض… معاصر العنب والزيتون والآبار ومنشآت قديمة وآثاراً من حقب تاريخية مختلفة منذ الحقبة الرومانية قبل وبعد الميلاد، ثم يظهر اسم القرية بوضوح في وثائق العصور الوسطى.
في القرن السادس عشر نجدها في السجلات العثمانية عامرة، تضم خمساً وثمانين أسرة يقدر عددها بخمسمئة نسمة، يزرعون القمح والشعير والتين والزيتون وغيرها من الأشجار المثمرة، ويربّون الماشية والنحل.
يغبطنا أهالي القرى المحيطة على العلاقات المتينة، ويصفنا بعضهم بأننا متعصّبون لبعضنا، وفي ذلك شيء من الحقيقة. إذا وقع بين أهل البلدة خلاف أو مشادة لسبب أو لآخر، فإنهم عادة ما يجنحون سريعاً إلى الصلح، حتى شاع في القرى القول «إن شرّ أهل مجد الكروم لا تطلع عليه الشمس»، أي إنهم يتخاصمون في النهار ويتعاتبون في المساء، وفي النهاية يحتسون القهوة، ويقبّل بعضهم رؤوس بعض قبل أن تشرق شمس اليوم التالي، وقد رأيتُ مثل هذه المشادات التي كانت تبدأ بمصابين وتهديد ووعيد، وتنتهي بفنجان قهوة وعتاب وحتى بكاء المتخاصمين، طالبين الصفح والعفو من بعضهم بعضاً.
أهل بلدنا أصحاب نكتة أيضاً، ونادراً ما يخلو أحدهم من قصة أو نهفة يُعرف بها، ولكن النكتة هذه الأيام ثقيلة.
قبل أيام وقف أحد نشطاء اليمين الاستيطاني الفاشي على مرتفع يطل على البلدة، ووصف أهلها بـ «السكان المؤقتين»، تأملت العبارة طويلاً. مؤقتون! من هو المؤقت في هذا المشهد؟ أناس تحفظ ذاكرتهم أسماء الحقول والوديان والعيون والصخور، أم رجل جاء إلى التلة ربما لأول مرة في حياته، ونظر من فوقها إلى بيوت الناس وقرّر أن يمنح وجودهم مدة صلاحية؟
قد يبحث الغرباء ويعرفون الأرض برقم حوض وقسيمة أو باسم الجهة التي سُجلت باسمها، أما ابن البلد فيعرفها بالاسم، فلكل قطعة أرض اسم، الأرض ليست أرقاماً بل أسماء كما هي أسماء البشر.
المنطقة التي ينوون إقامة بؤرة استيطانية فيها اسمها الرّوس، حولها عالم كامل من الأسماء التي ورثناها كما نرث أسماء الجدات والأجداد، يحضرني بعضها من غير رجوع إلى مصادر موثقة أو لمسنين يعرفون الأسماء أكثر مني، هذه مناسبة لأذكر بعضها «القنيطرة، عريض أبو كيوان، جلّون، المناتج، قواليس، أبو عجلان، المراح، الزعرورة، الديسة، العرعورة، ذيل المسيل، تين الوردة، النيرب، لبوة، العزيب، أبو سراج، بلومية، الشيخ طعمة، الشيخ سريس، القرار، باب الوادي، الليات، القرنيفة، الزيّتية، عريض خضر، العلاليات، خلة أبو زيد، خلة أبو رمان، الشّطينة، الدّحالة، خلة أبو ذيب، رصيفة، نجاص، أبو عك، المخبيّة، رْزيق، الدّرجات، الصعبنية، النبعة، الكسار، التّخوم، السوق، الجلاهي، راس عروس، الدّوير، المِحادِر، البيادر. هذا غيض من فيض، هكذا لكل قطعة أرض شخصية واسم وحكاية وليست مجرّد رقم.
كنا في طفولتنا نمشي حفاة في الطرق الزراعية الترابية والشُّعب بين كروم التين والزيتون والمقاثي صيفاً وشتاء، حتى يصبح جلد القدم سميكاً مُكلكلاً كأنه قطعة من المطاط، تستطيع أن تغرس فيه الإبرة ولا تكاد تشعر بألم. لم نكن أيامها نفكر في الأرض باعتبارها قضية، كانت ببساطة تحت أقدامنا، نبتكر الألعاب من التراب، نشكل منه العرائس والبيوت والسّدود ونحفر الحفر ونلاحق الزواحف والحشرات، وكانت أمهاتنا تصنع منه مواقدها للخبز وللتدفئة. عرفنا كذلك «عضّة الأرض» التي تسبب آلاماً مبرحة وتورّماً في القدم نتيجة التهاب، كان أهلنا يختصرونه بأنه عضّة أرض. حين يكبر الإنسان يكتشف أن أكثر الأشياء بداهة قد تتحول يوماً إلى شيء يُطلب منه إثباته، وأن هناك من يطمع في هذا التراب، لا يعرف عنه سوى رقم.
قبل النكبة كانت مساحة البلدة نحو ثمانية وعشرين ألف دونم، ولم يبق اليوم إلا ربعها نتيجة للنكبة والمصادرات.
ووجد نحو نصف أهل القرية أنفسهم خارجها بعد النكبة، في لبنان وسورية والأردن ومناف أخرى، ومع ذلك لم تستطع أكثر من سبعة عقود أن تجعلهم غرباء عن البلدة.
حين يموت واحد من أبناء البلدة في المنفى، في مخيم شاتيلا في لبنان مثلاً، يُفتح له بيت عزاء هنا، وهذه وحدها حكاية كاملة.
يموت الإنسان بعيداً في دولة أخرى، ويقام عزاؤه في البلدة التي أُخرج منها هو أو أبوه أو جدُّه قبل أكثر من سبعين عاماً.
عُرفنا بين القرى بـ «رَبع البامية»، لأن البامية كانت تنجح نجاحاً لافتاً في أرضنا. كان سهل البلدة يغطي حاجة منطقة عكا وحتى حيفا من البامية والتين. وللتين عندنا حكايات.
يُروى أن رجلاً من البلدة زار آخر، وكان عند صاحب البيت كرم من التين، ولكن المضيف اكتفى بأن قدم لضيفه القهوة ولم يقدم له ولو حبة تين واحدة. خرج الضيف متذمّراً مستنكراً الأمر أمام الشيخ (أبي حسن)، وهو رجل وقور كان يشارك في جاهات الصلح.
استغرب أبو حسن، وذهب إلى صاحب الكرم وسأله: لقد زارك فلان ولم تقدم له ولا حتى حبة تين واحدة، فما القصة؟
فقال الرجل: في موسم المشمش، زرته، وكما تعرف، عنده كرم من اللوزيات والمشمش، جلست أكثر من ساعة، ولم يقدم لي حبة مشمش واحدة، فحفظتها له!
فهم أبو حسن الحكاية، وقال للمشتكي:» لو مَشْمَشت له، كان تيّن لك»، «مشمش له يُتيّن لك» وذهبت مثلاً محلياً خالصاً بمعنى المنفعة المتبادلة.
ومن التين اجترحوا مثلاً يقول «فلان بلّش يقشر» بمعنى أنّه شبع، فالجائع عندما يصل كرم التين يأكل ما تطاله يده من ثمار فجّة أو ناضجة دون التفات حتى لو كان عليها غبار، ولكنه عندما يشبع يبدأ بانتقاء الثمرة الناضجة والكبيرة فيقشرها على مهله ويأكلها. هذا يضرب لمن يبدأ العمل فقيراً في وظيفة ما، وبعد سنوات تتبدّل أحواله وتظهر عليه مظاهر الرخاء، فيقال «بلّش يقشر».
الإنسان المؤقت لا يسمّي كل حجر، ولا يفتح بيت عزاء بعد سبعين عاماً لمن مات بعيداً، ولا يحمل معه أسماء الحقول إلى المنفى. المؤقت لا يعرف أين كانت شجرة الزيتون التي زرعها أجداده، ولا أي أرض تصلح لزراعة البامية والقثاء، ولا لماذا سُمّيت قطع الأرض بكل هذه الأسماء، ولا أين تبدأ بلّومية وينتهي باب الوادي. أما الذي يعرف كل ذلك، فليس بحاجة إلى من يمنحه شهادة إقامة.
عندما يخاطب فاشيّ نكرة أهل البلدة ويصفهم بالسكان المؤقتين، تردُّ عليه معاصرها وآبارها وصخورها وتينها وزيتونها، وترد عليه أسماء الأراضي التي لم تستطع المصادرات أن تمحوها، ومقابرها الأربع، وبيوت العزاء التي تفتح لمن يموتون في المنافي، وترد عليه حفلات الزفاف وزغاريد النساء المختلطة بالفرح والدمع. وترد عليه تلك الممرضة الشابة وهي تمط آخر الكلمة وتضحك وهي تسألني بلطف «إنت من بلدنا؟».

✎

فريق تحرير مصري فور نيوز

فريق التحرير في مصري فور نيوز — نتابع الخبر من مصادره ونقدّمه لك محرَّراً ومراجَعاً على مدار الساعة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق