يوجد ميل في الثقافة الجماهيرية لربط فكرة «التقدم»، وحتميته، بالتصورات الحداثية والتنويرية العلمانية، إذ يتقدّم العقل والتاريخ البشري، وفق ذلك المنظور، نحو غاية معيّنة، هي الحرية أساساً، ضمن تصور ميتافيزيقي، طبيعي أو عقلاني، عن الوجود. و»ميتافيزيقي» لا تعني الخرافي، بل العكس تماماً، إنه التصوّر المبرهن عقلياً، القائم على مبادئ كليّة، تتجاوز الظواهر والتجربة المحسوسة والمباشرة، الذي يعمل على تفسير طبيعة الواقع والوجود والتاريخ، وحركتهم وغاياتهم النهائية. أو بعبارات أكثر فلسفية: «تحديد الطبيعة الحقيقية للأشياء، والمعنى والبنية والمبادئ الأولية والكليّة لكل ما هو موجود، من حيث هو موجود». وهكذا فإن ميتافيزيقيا التنوير، وبعدها الميتافيزيقيا المادية، أعادتا بناء المبادئ الأولية والكليّة للوجود الطبيعي والروحي/العقلي، بناءً على مبادئ تقدميّة، قُدِّّمت في حالات كثيرة بصورة أقرب للحتميّة، وكان العلم الطبيعي، والتطور التقني، أحد أهم دوافع إعادة البناء هذه. وهكذا تم العمل على تحديد ما يمكننا معرفته، والشروط المؤسِّسة لعملية المعرفة، وحدودها، وفرز أنواع المعارف، ومن ثم إيجاد التطبيقات الملائمة لها، والتي تطوّر قدرة الإنسان على السيطرة على محيطه وعالمه الطبيعي والاجتماعي، واعتُبر كل هذا ثورةً «نحو الأمام»، ستوصل البشر إلى غايات يوتوبية. ومن طموحات الحريّة والتقدّم، تفرّعت مبادئ المساواة، والتحرر من الاغتراب، بل حتى الخلاص من «عبوديّة العمل المأجور».
إلا أن ربط كل هذا حصراً بأفكار علمانية مناهضة للدين جذرياً لم يعد مقبولاً على الإطلاق، خاصة أن البحث في نصوص عصر التنوير سيقودنا إلى عالم واسع، وعجائبي إلى حد كبير، لم يكن فيه العلم متمايزاً تماماً عن الفلسفة، واللاهوت، وما قد نعتبره اليوم «علوماً قديمة»، أو «زائفة» (مثل الخيمياء والتنجيم والسحر)، والأدب، والأفكار الغنوصية. وعلى خلاف تيارات تنويرية رأت في «التقدّم» فرصة أو إمكانية، مرتبطة بالتحرر الاجتماعي أساساً، ومواجهة السلطة والدين المُنظّم، فإن مَنْ لعب دوراً كبيراً للغاية في مفاهيم «التقدّم» الحتمية والغائية، الأقرب للاهوت خلاصي، وكذلك في الفهم الأداتي للعلم، كان تيارات أخرى، لم تتسم دائماً بالنزعة العلمانية أو اللادينية أو الرفض المبدئي للاستبداد.
التقدّم التقي
تبرز في هذا السياق نزعتان ارتبطتا بالإصلاح البروتستانتي، وهما «النزعة الألفيّة» Millenarianism، و»النزعة التقويّة» Pietism، والأولى اتجاه لاهوتي يقوم على اعتقاد بأن التاريخ الإنساني يتجه، وفقاً لتدبير إلهي، نحو مستقبل من التجديد والخلاص، مرتبط بملكوت المسيح، و»الألف سنة» الواردة في سفر الرؤيا في الكتاب المقدس (رؤيا يوحنا عن كون المسيح والقديسين سيحكمون لألف سنة)، والتي فسرتها تيارات مختلفة تفسيراً حرفياً أو رمزياً أو فلسفياً. وقد اتخذت تلك النزعة أشكالاً متعددة، قام معظمها على العمل على الإصلاح الجذري للمجتمعات المسيحية، ومواجهة مؤسساتها الدينية الفاسدة، وعقائدها التي اعتُبرت خرافية واحتيالية ومخالفة لوحي الكتاب المقدس؛ أما النزعة الثانية فركزت على «التقوى العملية»، وتجديد الحياة الدينية للفرد والجماعة، والإصلاح الاجتماعي والأخلاقي، وكان لها جانبها الاقتصادي، والإنتاجي، والتربوي، والعلمي.
ورغم اعتمادهما على الوحي والنبوءات، فإنهما كانتا نزعتين شديدتي العقلانية، عملتا على عقلنة الإيمان الديني، أي جعله أكثر نجاعة ومنفعة ووظيفيّة، وقدرة على التمييز بين ما يمكن إدراكه بالإيمان، وما يمكن معرفته وتنظيمه بالعقل؛ كما أعلتا من شأن «نزع الوسائط السحرية» في التجربة الدينية والإيمانية، والاعتماد على الفكر والضمير الشخصي للمؤمن الفرد، وبذلك ساهمتا، بشكل مباشر أو غير مباشر، في تطور الفردانية، وإقرار مبدأ «حرية الضمير»، ويمكن اعتبارهما نزعتين تأسيسيتين في كثير من مفاهيمنا القانونية والدستورية الحديثة. ولفهم التمازج الكبير في الأفكار والمجالات المعرفية في ذلك الزمن، يمكن ضرب مثال السير إسحق نيوتن مؤسس الفيزياء الحديثة، الذي كان إلى جانب كتاباته في الخيمياء، مهتماً جداً بالنبوءات الألفيّة، والتفسيرات النبوية.
مبادئ مثل التركيز على التقدّم؛ والتطوير المتسارع؛ والعمل المُجِد بوصفه فضيلة أخلاقية؛ وتثمير الثروة وزيادتها؛ والتكنولوجيا المتقدمة، التي لا تتعارض أبداً مع الأفكار الدينية، ولكن تتمايز عنها عملياً ومنهجياً؛ والدفاع عن هرميات اجتماعية معيّنة، تتوافق مع مفهوم «التقدّم»، حتى لو حوت أشكالاً واسعة من اللامساواة؛ والجنسانية الوظيفية (ربط الرغبة بالنجاعة العقلية والاجتماعية)؛ وتوسيع «سر الاعتراف» الكنسي، ليشمل مناحي كثيرة من الأداء الاجتماعي، حيث يعترف الناس بتجاربهم الذاتية وميولهم وعملهم ومعتقداتهم، أمام سلطة عارفة ومُحفِّزة على الاعتراف، كل هذا نجد له جذوراً متينة في هاتين النزعتين، اللتين لم يقتصر تأثيرهما على المؤمنين البروتستانت، بل كان لهما تأثير فكري عالمي، نجده اليوم مثلاً حتى بين أنصار الإسلام السياسي، أو المتأثرين بـ»الإلحاد الجديد»، وبالتأكيد نجد تأثيراته في كثير من الفلسفات التأسيسية، مثل المثالية الألمانية، بل حتى الماركسية في جانب من جوانبها الجدلية. بالتأكيد، ليست تلك النزعات البروتستانتية وحدها من أسست للتحديث، ومفهوم «التقدّم» الحتمي والغائي، والفردانية، وحرية الضمير، ولكنها لعبت دوراً لا يمكن تجاهله، واستطاعت استقطاب فئات اجتماعية متزايدة، ومنحها المعنى والمُحفَّز، ولن تكتمل أي خريطة تاريخية وفكرية لعصر التنوير، من دون الاعتراف بدورها.
من جانب آخر، فإن تاريخ نقد التنوير، وهذا «النقد» جانب عضوي من التنوير نفسه، قام في جانب أساسي منه على تحليل وتفكيك ذلك النمط من «التقدّم»، وما ارتبط به من قيم، سواء على المستوى الفلسفي والمنهجي، أو على المستوى الإنتاجي والاجتماعي والعملي والبيئي والجنساني، ويمكن ملاحظة ذلك أيضاً في جانب آخر من الجوانب الجدلية للماركسية، خاصة «النظرية النقديّة»؛ وأيضاً التيارات التي ارتبطت بالمناهج الظاهراتية، والكانطية الجديدة، والبنيوية، والمنظوماتية، وما بعد البنيوية، والبنائية، والشبكيّة، وما يميل البعض إلى تسميته «ما بعد الحداثة». ويمكن القول إن ذلك النقد حقق قبولاً واسعاً، سواء على الصعيد الفلسفي أو التاريخي أو السياسي، بل حتى على صعيد نقد العلم نفسه، إذ لم يعد «التقدّم» الحتمي والغائي مقبولاً، واعتُبرت النزعة التاريخانية عموماً أثراً لاهوتياً في الفكر الحديث، كما أن فكرة «البارادايم العلمي»، والقطائع بين مختلف النماذج الإرشادية العلمية واللغوية والتجريبية، ومبدأ «الملاحظة والتجربة المحمّلة بالنظريَة»، بات مقبولاً بشكل واسع في فلسفة العلم المعاصرة، حتى بين جانب من أنصار الفلسفات التحليلية والوضعية والبراغماتية، بل بين بعض العلماء والفيزيائيين الأكثر شهرة.
إلا أن التكنولوجيا بالذات، تظل الأكثر رسوخاً في فكرة التقدّم الحتمي والغائي، فهي عمليّة جداً في إثبات ادعاءاتها، وفلسفتها عن التاريخ، وأيضاً ادعائها للحياد الأيديولوجي، فتمنح البشر أدوات تغيّر حياتهم وأنماط سلوكهم وأدائهم بشكل جذري، وتقدّم حلولاً لمشكلات مستعصية، كما تسعى لحل المشكلات الجديدة، الناتجة عن الحلول التي تقدّمها، ولذلك غالباً ما يواجه أي نقد للتكنولوجيا، وفلسفتها عن التقدّم، بوصفه نقداً رومانسياً، قائماً على النوستالجيا للماضي، أو عدم فهم الحاضر والمستقبل و»روح العصر». والأهم أن الفارق النظري بين العلم والتكنولوجيا بدأ يزول في عصرنا، فالمعرفة الصحيحة صارت مساوية لـ»الاختراع»، وهذ ربط لا يتّبع الأسس البرهانية المعروفة، إلا أنه صار أقرب للبديهيات، ما يجعله، في مفارقة غريبة، أقرب للعقلية السحريّة، فعندما يمنحك الساحر أو الكاهن ما يبهرك، أو يخفف ألمك، أو يهدئ قلقك، أو يغيّر ما يُعتبر عادةً وترابطاً سببياً في الحياة اليومية، فهو يمتلك قوة أعلى من أي محاولة تفسير وبرهان.
بالطبع، لا يتوجّه التشكيك هنا إلى نجاعة التكنولوجيا وعمليتها، أو في كونها حسّنت حياة الملايين والملايين من البشر في جوانب متعددة، ولا يحوي بالضرورة دعوة لـ»العودة» إلى تخيلات عن عصر مثالي سابق لها، وإنما يتركز على ادعاءات أساسية: أولها مساواة التكنولوجيا بالمعرفة، بكل أبعادها؛ وثانيها ادعاء الحياد الأيديولوجي والاجتماعي للتكنولوجيا؛ وثالثها، وربما أهمها، الادعاء بحتمية شكل معيّن من التقدّم التكنولوجي، وتطوّره الخطي في التاريخ دون احتمالات أخرى؛ ورابعها فصل التكنولوجيا عن الصراعات الاجتماعية والمعرفة العامة للبشر، والنزاع حولها. وكما قيل سابقاً، فإن أي مناقشة لهذه الادعاءات مُعرّضة للاتهام الفوري بالنزعة الرومانسية والرجعية، وهذا بالضبط ما قد يجعل التكنولوجيا، التي تكاد تبتلع العلم تماماً، آخر معاقل النزعة التاريخانية التقدّمية الحتمية والغائية. وإذا تجاوزنا ادعاءات الحياد الفلسفي، فليس من الصعب أن نجد كثيراً من النزعة الألفية والتقوية البروتستانتية في الأيديولوجيا التكنولوجية السائدة.
محطمو الآلات
من الصحيح تاريخياً أن جانباً أساسياً من نقد التقدّم التقني كان رومانسياً، بل حتى رجعياً؛ فيما حاول جانب منه أن يكون أكثر تقدميّة من «التقدّم» نفسه، بمعنى أنه، كما في حالة الماركسية الكلاسيكية، اعترف بالنتائج الاجتماعية المؤلمة للتقدّم، ولكنه اعتبرها جانباً من تمرحل جدلي وضروري للتاريخ، قد يوصل إلى يوتوبيا تحمل سمات «ملكوت» يسوعي، ولكن بصيغة مساواتية تامة. إلا أن هاتين الصيغتين من نقد التقدّم التكنولوجي ليستا الوحيدتين.
لعل أهم مراحل التقدّم التقني كانت الثورة الصناعية، التي كانت نتائجها بالغة القسوة على ملايين البشر، الذين انتزعوا من أراضيهم أو قراهم أو روابطهم الحرفية، ليصيروا «بروليتاريا»، أي شتاتاً بشرياً لا يملك إلا قوة عمله، التي لم تعد تُقيَّم حتى بالمهارة الحرفيّة، فصارت قوة العمل تباع في ظرف من المنافسة الطاحنة بين صفوف «جيش عمل احتياطي»، يضمّ النساء والأطفال، ما أدى إلى انخفاض شديد في الأجور، والتعامل مع البشر بوصفهم ملحقات للآلة، يمكن استبدالها ورميها خارج المصنع بكل بساطة. لم تكن التكنولوجيا آنذاك تطوراً سعيداً إلا لنخبة طبقيّة، أما ما وصلنا من أوصاف عن حال العامة آنذاك فيبدو مروّعاً إلى حد كبير، ما جعل الحركات الرومانسية والرجعية أمراً متوقعاً في مواجهة التكنولوجيا. ولفترة طويلة من الزمن، اعتبرت تلك الحركات مجرّد انتفاضات «محطمي آلات» متخلفين، يمضون في الجانب الخاطئ من التاريخ، ولا يستحقون أكثر من الشفقة.
تطلّب الأمر حتى ستينيات القرن العشرين، لإعادة الاعتبار لتلك التحركات والنزعات الرومانسية والرجعية، مثل حركة العمّال اللوديين في بريطانيا (1811-1816)، خاصة مع أعمال المؤرخ البريطاني الماركسي إدوارد تومبسون، ومن ثم المدرسة العمالية الإيطالية، التي طبقت منظورات مشابهة على الاضطرابات في المصانع الإيطالية، وقد بيّن التقصي التاريخي والفلسفي والأنثروبولوجي أن حركات تحطيم الآلات، ومناهضة التكنولوجيا، لم تكن مجرد دعوة لـ»العودة إلى الوراء»، بل لعبت دوراً أساسياً في تغيير التكنولوجيا نفسها، وتحديد مسارات تطورها، إذ دفعت أرباب العمل، والمهندسين، والمخترعين، إلى إعادة تنظيم «التركيب التقني لرأس المال» وهو مصطلح يعود لماركس، استخدمه المفكران الإيطاليان ماريو ترونتي وأنطونيو نيغري بدلالات جديدة، فصار يعبّر عن أشكال تنظيم ورقابة العمل البشري عبر التقنية. كانت الآلات تُرصًّ في المصانع، فيحطمها العمال، أو يستولون عليها، فتُخترع آلات جديدة، تعطي سلطات أقل للعامل، وتزيد من تقسيم العمل، ليبتكر العمال أشكالاً جديدة للسيطرة عليها والتعامل معها أو تعطيلها، وهكذا. وبالتالي فتاريخ التكنولوجيا الصناعية لم يكن يوماً منفصلاً عن الصراع الطبقي. وضمن هذا الصراع لم يكن «محطمو الآلات» مناهضين للعلم والتقدم، بقدر ما كانوا يقاومون توجيه التكنولوجيا ضدهم، وبذلك ساهموا في مسار التطور التكنولوجي نفسه. وبعيداً عن الانحياز السياسي لمصلحة الطبقة العاملة، فإن هذا المثال المركزي في تاريخ «التقدّم» التكنولوجي، يشير إلى تهافت مبدأ «الحتمية التكنولوجية»، وفرز البشر على أساس «جانبهم الصحيح من التاريخ»، فذلك «الجانب» ليس إلا افتراضاً أيديولوجياً، لا يمكن تبريره عقلياً من دون منظور ميتافيزيقي ولاهوتي متكامل.
تسلك التكنولوجيا دروباً متعرّجة، ضمن فضاء احتمالات متعددة، تلعب فيه الصراعات الاجتماعية والثقافية دوراً كبيراً، كما أن التكنولوجيا نفسها تصبح فاعلاً اجتماعياً وثقافياً، وبالتالي فهي معرّضة للمواجهة والتغيير والتفاوض، ولا يمكن أن تكون محايدة. وهذا ينطبق على الثورة الصناعية الأولى كما ينطبق على ما يُعتبر اليوم ثورة الذكاء الاصطناعي، والهندسة الوراثية، و»تكنولوجيا النانو»، وغيرها؛ كما يشمل كل التصورات، مثل «ما بعد الإنسانية» والترانس-إنسانية، وامتزاج البشر والآلة، وغيرها، فمتى كانت الآداة والآلة ليست جزءاً من الجسد الإنساني؟ ربما لا يمكن تعريف «الإنسان» ككائن منتصب وعامل في طبيعته، إلا بدمج الأداة في كيانه، وذلك منذ عصور ما قبل التاريخ وحتى اليوم. وعلى الرغم من أن كثيراً من الفلاسفة والمؤرخين وعلماء الاجتماع دخلوا في الجدل حول التكنولوجيا اليوم، خاصة مجال الذكاء الاصطناعي، وإشكالياته المعرفية والأخلاقية والسياسية، إلا أن نقد أيديولوجيا التكنولوجيا، وخاصة التقدّم الحتمي الغائي، ربما لا يأخذ مكانته الكافية. ولكن، ماذا يعني أن شكلاً معيناً من التكنولوجيا ليس حتمياً، وليس قدراً تطورياً خطيّاً؟
إطفاء الشاشة
يقال عادةً أن الجيل الذي ولد في ثمانينيات القرن الماضي هو أول جيل يرى «التكنولوجيا المتقدمة» التي نشأ عليها ضمن مقتنيات المتاحف، وذلك في سياق الانبهار بسرعة التقدّم التكنولوجي، إلا أن أصوات كثيرة بدأت تتساءل: هل كان هذا «التقدّم» ضرورياً؟ الأمثلة التي تُعطى عادة مرتبطة بأدوات ووسائط، أساسية في الثقافة المادية الجماهيرية المعاصرة، مثل وسائط التسجيلات المسموعة والمصورة، فقد انتقلنا من الكاسيت، إلى أقراص CD، إلى مٌشغّلات mp3 وmp4، إلى منصات بث الموسيقى على الإنترنت، بسرعة بالغة، وكثير من المخترعات «الطليعية»، صارت نفاية تقنية بوتيرة أكبر من قدرة البشر على الاستيعاب. في مجال الفيديو تعتبر أقراص VCD مثالاً ممتازاً، إذا كانت فترة انتقالية سريعة جداً بين أشرطة الفيديو القديمة، وأقراص DVD ومنصات الأفلام والمسلسلات المعاصرة، وقد اشترت ملايين العائلات حول العالم مٌشغلات تلك الأقراص، ثم رمتها بعد سنوات قليلة، فلم تنشأ حولها ثقافة مجتمعية، إلا ذكريات عن «التسارع»، وقد بُرِّر هذا التسارع دائماً بنمط من الحتمية التكنولوجية. ربما كان هذا مفيداً لتسريع دورة رأس المال، ولكن من ناحية التجربة الثقافية/الاجتماعية، والتطور الفكري، والفنون نفسها، فالموضوع مثار لجدل كبير، فقد وصلنا إلى حالة من إتاحة المواد الثقافية، وفقدان تجسدها المادي، جعلها تخسر جانباً كبيراً من عادات التلقي، سواء الفكري والجمالي أو الاجتماعي. وتحت «وهم الإتاحة»، وضغط التسارع، والخوف من الشعور بالتأخر وعدم القدرة على ملاحقة التطورات (والذي يُسمى عادة بـ»الفومو» FOMO) فقد كثير من البشر قدرتهم على السيطرة على مفردات عالمهم، وخياراتهم، وتجربتهم الذاتية الفعلية، وليس المفتعلة.
توجد اليوم اتجاهات ملحوظة للعودة إلى عادات ثقافية «أقدم»، مثل قراءة الكتب الورقية بدل الإلكترونية (كما في سوق الكتب الأمريكي والألماني، وهما من أكبر الأسواق عالمياً)، وتقليل استخدام مواقع التواصل الاجتماعي، بل نشوء حركات سياسية وثقافية ضد الهوس الرقمي (ومن أمثلتها الطريفة «الجبهة الراديكالية المناهضة للهواتف الذكية» RASF)، إلا أن الأمر لا يتعلق فقط بالعادات الثقافية والاجتماعية، بل أيضاً بنقاشات مطولة حول الملكية، والقانون، والسيادة، فهل يُترك تحديد مسار التطور التقني، وملكيته، بيد مجموعة من الشركات الكبرى، العابرة للقوانين المحلية، وبالتالي الحائزة قدرات سيادية غير مبررة، ومهددة للديمقراطية.
الأمر نفسه، ولكن على مستوى أكبر وأكثر تعقيداً، فيما يتعلق بالذكاء الاصطناعي، والذي لا يجب اختزال نقاشاته على مستوى النبوءات التي تبدو مقبلة من أدب الخيال العلمي الرديء، مثل «الذكاء الاصطناعي سوف يتمرد، ويبيد أو يستعبد البشرية بعد عشر سنوات»، وكأنها دعايات ترويجية من مصمميه وشركاته نفسها، ضمن «اقتصاد الانتباه» السائد حالياً. ما يناقش فعلياً هنا هو السيادة والملكيّة والعمل، والأبعاد الصناعية والحربية والرقابية الخطيرة لتطبيقات الذكاء الاصطناعي الأساسية.
قد يكون الأساسي في هذا الجدل، هو سيطرة المجتمعات على زر تشغيل، أو إغلاق تلك التقنيات، والتحكّم في التسارع واتجاهاته استرشاداً بغايات معيّنة، ومَنْ يملك سلطة تقرير تلك الغايات والاتجاهات، وهذا مرتبط عضوياً بمناهضة أيديولوجيا الحتمية التكنولوجية، التي تصوّر كل تطور جديد، بل كل سلعة تُطرح في الأسواق، على أنها حتمية تاريخية، بالأسلوب والطريقة والشكل والمعنى الذي تتبدّى فيه، والقرار الذي يستفرد به منتجوها. ولعل مناهضة تلك الحتمية يمكن أن تكون مدخلاً لإعادة تعريف «الاجتماعي» و»السلطوي» و»الإنتاجي» و»المعرفي» نفسه.
قد لا يكون موقفك برفض تكنولوجيا معينة، أو الحذر منها، وقوفاً على «الجانب الخاطئ من التاريخ»، فذلك «الجانب»، وصحته وخطؤه، ومآلاته، يُحدَّد هنا والآن، حسب موقعك الاجتماعي، ومصلحتك، وأيديولوجيتك، ومنظوراتك الفلسفية، ولا ينبع من قدرات سحرية في الغرض التكنولوجي نفسه، ولعل هذا هو الدرس الأول في نقد الأيديولوجيا.
كاتب سوري


















0 تعليق