ثمة أكثر من مناورة للدُّنوِّ من دلالات المحو، التي يمكن مؤقتا إيجاز منطوقها في الذهاب بالشيء إلى تخوم اللامتناهي. هذا الشيء الذي كان أمامنا، ومنذ هنيهة فقط الشيء الذي سبق لنا أن دوَّنَّاه قبل أن يحتجب في زمن انمحائه، أي ذاك الذي سبق لنا أن حاولنا تظهيره بإخراجه إلى فضاء الكينونة، وإلى فضاء الوجود، وذلك الذي لم يحدث أبدا أن كان ماثلا، بشكل أو بآخر أمام أنظارهم، بالمفهوم الرمزي للكلمة، تبعا لمحدودية إدراكهم المفضي به إلى هاوية العدم. يتعلق الأمر إذن بإشكال على درجة عالية من الالتباس، حيث ثمة مسافة شاسعة تمتد بين الكينونة المعلومة للشيء-دون أن يكون بالضرورة مرئيا- وبين كينونته المجهولة، التي تجعله غائبا عن الرؤية. ففي الحالة الأولى، لا يمكن اعتباره في حكم الممْحُوِّ على أساس عدم رؤيتنا له، بالنظر لعدم وجوده على مستوى الظن، وعلى مستوى التخمين الذي يعود إلى سابق رؤيتنا له في مكان ما، ووفق شروط معينة من شروط الوجود،التي قد يكون عليها الآن، منذورا لاحتجابه، هناك بعيدا عن الرؤية، وحاضرا في الوجود، انه فقط معدوم/ممحوٌّ، قياسا بحد الرؤية، التي هي رؤيتنا نحن (هنا والآن)، حيث لن يكون ممكنا تعميم حالة العدم عليه، وحالة المحو. إنه في هذا السياق، ممحو هنا، ومثبت هناك.
إن المحو هنا وفي هذه الحالة تحديدا جد نسبي، حيث ليس للقراءة أن تنفي ما هو موجود في مكان غير هذا المكان الذي توجد هي فيه الآن. بمعنى، أن ما نفكر في كتابته، قد يكون حاضرا ضمن حدسنا بحضوره فينا، أي إنه موجود بقوة احتمال تدويننا له، وإخراجنا له من عتمة الحدس به إلى ضوء التدوين المرئي، الموثق، والمعيش. أما قبل ذلك، فقد يكون في حكم العدم التام، بالنسبة للأخر، وليس بالنسبة لمن يحدس بوجوده فيه، أي بالنسبة لمن في إمكانه تدوينه، وهو ما يدعونا للقول، باستحالة الحديث عن عدم تام ومطلق. فسقوط الشيء في العدم التام من المستحيلات،لأنه في حالة تعرضه للمحو هنا، سيظل حاضرا هناك، وفي حالة اختفائه التام من الأمكنة، فان حضوره السابق يتحول إلى وعد باحتمال الظهور، والعودة من جديد، وإن بشكل مختلف، ففي هذا الإطار، وضمن هذا التصور، يصبح البعد الرمزي ملاذا فعليا يحتمي به الشيء إثر زواله وفنائه المادي، وهو ما يكشف عن تعدد بنياته، التي تضمن له مستويات متعددة من مستويات البقاء والديمومة. فمهما تباينت درجات المحو، فإن الكتابة -بما هي لعبة تثبيت – تظل محتفظة بعنف وطراوة حضورها، لأن المحو غالبا ما يكون مصابا بغير قليل من العمى، فتفوته فرصة رؤية التفاصيل التي تمتلك قدرتها، على الانبعاث بصيغ جديدة. هكذا إذن يفقد المحو دلالته المعجمية، ليمارس وظيفة مغايرة، تتمثل في تنشيط إواليات بث الروح في ما كنا نعتقد أننا محوناه، وأجهزنا عليه. وفي هذا السياق تحديدا، يمكن الحديث عن الأثر الشبيه ببرزخ فاصل بين المكتوب وبين الممحُوّ. فالبرزخ هو الذي يسمح بتجديد حياة الأصل، بموازاة تجدد عملية المحو، وبالتالي، فإن النقاش يمكن أن ينصبَّ على المحو بما هو قراءة، وبما هو إعادة كتابة وانكتاب.
إن إثارة موضوع المحو غالبا ما تم على نحو عشوائي، وتعميمي، بعيدا عن تماسّاته، مع أسراره وإوالياته، الشيء الذي يُحوّله إلى مجرد شعار غامض يوهِم باستحداث قطائعَ معرفية وجمالية، مع نصوص، ومرجعيات وأنساق بهدف الإيهام بتحقيق طفرة ما يسمى بالتجاوز. ومن خلال استحضارنا لهذه الاعتبارات، سنكون معنيين بالتركيز على آلية اشتغال المحو، بما هي آلية إعادة القراءة، وإعادة الكتابة، بمعنى أن قولنا به، هو قول بمنهجية وباستراتيجية قراءةٍ، قد تكون متجهة نحو أفق تفكيك بنية أصل ما، وموجهة برؤية نقدية واستشْكالية لعلاقة الكتابة بأسئلة الكائن. فضمن هذه العلاقة الحوارية، ومن خلالها تشتغل عملية المحو، التي تقوم بتغيير مسار النص، الذي يعتبر في حد ذاته شكلا من أشكال المحو، المؤثر حتما في تغيير وجهة الإضاءة، عبر نقلها من جهة أصل مقَنَّع/متظاهر بقابليته للمحو، إلى جهة مسار نص هو قيد الإنشاء، بمعنى أن الأصل هنا، يكون كامنا في الظل، غير مرئي. إنه فقط منسي قليلا، ينتظر فرصة عودته بصيغ مختلفة، إنه وضمن هذا السياق، ممارسة إبداعية ثقافية وحضارية. إنه أيضا، المجال الذي تختبر فيه الذات إمكانياتها، عبر مدارات التعرف، القراءة، واكتشاف آليات اشتغال الدلالة.
إن المحو هنا، ليس مجرد حركة ميكانيكية، يراد منها الدفع بنصٍّ ما، بكينونة ما، إلى العدم. فما يتم محوه في النص، هو ما ينبغي تجاوزه، واستبداله بمكونات مغايرة، كفيلة بإعادة إنتاجه، وفق شروط التلقي، المتموضع في وجهة أكثر تفاعلية، وأكثر تحريضا للأسئلة.
المحو هنا، ليس مجرد إلغاء، إنه ممارسة، تستهدف ردم ما يحول دون رؤية الجوهر، الذي يحدث أن تخفيه الكتابة، لأن ما كتبته أنت ايضا، ربما قد يكون سببا في تغييب كتابات أخرى. المحو هنا هو بحث عن الأصل الذي ربما تم تشويهه، بفعل تتالي الكتابات.. ذلك الأصل الفعلي، القابل للانبعاث بلغات كان قد تعذر عليه المجاهرة بها في منعطفات تواصلية ما. إنه إلى جانب ذلك، بحث عن بكارة الصفحة في علاقتها بالنص الأصلي، حيث نجد أنفسنا مباشرة في قلب اليوتوبيا، أي البحث عن النص الذي لم يتعرض بعد إلى التشويه، وهو المكان الذي لا نشكك في جدواه، باعتباره حدا أقصى للذهاب إلى النص، ولاكتشاف ما خفي من تخومه، عبر طريق مضاد، ومعكوس.
إن العمق اليوتوبِيّ هنا، يعني تحقق القوة الاستثنائية في تصنيع النص، أي توخي توفير أكبر نسبة من التّظهير النصي، الذي يرتقي بالكتابة إلى مدارج الغبطة الجمالية، الناتجة عن توظيف كل الإمكانيات المعرفية، التي تمتلكها القراءة، حيث يكون المحو مِحَكًّا فعليا، تتأكد على أساسه معرفة الذات بما تقرأ، وبما تكتب، فمن لا يمتلك شرط القراءة بما هي كتابة، لا يمكن بحال، أن يملك شرط المحو، لأنهما معا ينتميان إلى كفاية ذات جذر مشترك. ربما أيضا يتعلق الأمر بالبحث عن الأصل ذاته، الذي يبدو في الظاهر قد أصبح منسيّا، ومُوحيّا باستعداده للاحتجاب تماما، عما نحن فيه، لأنه كالعادة وفي سياق تعرضه لمحنة تجاوزه، يتخذ شكلا مغايرا، حيث يبدو في حالات معينة مضادا، وغير مستعد للاختفاء. إنه وفي سياق معلن، يضع تحت أنظارنا جذرا من جذوره، وفرعا من فروعه.
بهذا المعنى يمكن القول، إن الأصل بمختلف مجالاته المعرفية والجمالية، لا يمتلك بحال من الأحوال شكلا ثابتا، يمكن الإجهاز عليه/محوه، أو التخلص منه، حيث يخيل للبعض، أن التخلص منه، هو الحل الوحيد، للتحرر من استبداد النموذج الأبدي، الذي يلزمك بالامتثال إلى تعاليمه، بما يعنيه هذا الامتثال، من قتل ممنهج لِلْآنيّ، وللمستقبلي. فبقاء الأصل بعيدا عن الشطط العقلاني للمحو، يلغي أي إمكانية محتملة للتفكير في احتمال انبثاق المغاير. لذلك، فإن الإجماع على تبني أصل ما، يُؤمِّن مهمة تفجيره وإبداله، كما ييَسّر في الوقت نفسه، من مأمورية الدفاع عنه وحمايته، وهو ما يجعل منه، قوة محتفظة بسلطة حضورها، باعتبار أنه جُماع أصول متباينة، شكلا ومضمونا. فكلما همَّ خطاب فلسفي أو إبداعي بتصفية حسابه مع أصل ما، إلا وأشعرنا بوقوعه تحت هيمنة تَجلٍّ مغاير، من تجليات هذا الأصل الذي يُعتقد فيه أنه منفصل كلية عنه. في حين يظل الجوهر بعنفه الميتافيزيقي حاضرا عبر احتجابه الخفي في الظل، علما بأن خطورة المحتجب، تظل سارية المفعول، كما هو الشأن بالنسبة لسلطة الفرد الكامنة في سلطة الجماعة، أو كما هي سلطة اللآمرئي كامنة في المرئي، وسلطة المخلوق في الخالق. إن الأصل بهذا المعنى، سيظل قَدرا متربصا بكل ممارسة فكرية وإبداعية. إن ما يحييه، وما يساهم في تعدد مستويات تجليه، هو خضوعه الدائم للمحو. إنه أيضا، يسعى إلى استعداء القتل عليه، كي يظل حيا، وكي يمتلك القدرة على التناسخ. إذ ما من سبيل لاستمراريته، إلا ضمن حظوة الإقامة في ضيافة المناوئين له، باعتبار أن انقراضه لا يتحقق إلا في كنف المدافعين عن بقائه حيا يُرزق، لذلك فإنه يظل في حاجة دائمة للقتل/ المحو، وبجرعة مضاعفة من العدوانية والكراهية، من أجل أن يدوم. تلك هي إذن منهجية الحداثة، مجسدة في إحياء الأعراف، من خلال إخضاعها لدرجة كبيرة من النسيان، الذي هو الوجه الآخر للقتل، وللمحو أيضا.
شاعر من المغرب

















0 تعليق