أقامت مكتبة الإسكندرية في الفترة من 21 سبتمبر/أيلول إلى 23 سبتمبر الماضي، مؤتمرا تحت عنوان «الهوية الوطنية.. جذور راسخة ورؤية متجددة» بالتعاون بين المكتبة، ووزارات التعليم العالي والبحث العلمي، والشباب والرياضة، والثقافة، ومحافظة الإسكندرية. لست في حاجة إلى الثناء على جهود المكتبة التي صارت منارة في الإسكندرية، تهدي من يشاء وتتسع أضواؤها كل يوم.
حضرت المؤتمر نخبة رائعة من المفكرين والكتاب. لم أكن بينها لكنني تابعت ما كتب عن الأبحاث المقدمة وموضوعاتها، فوجدتها تمس قضايا مهمة في حياتنا وحياة أي مجتمع، مثل الطفولة والتعليم والبيت واللغة العربية وغيرها، مما يعزز قيم الانتماء الوطني، باعتبار أن الهوية الوطنية تواجه تحديات داخلية وخارجية، وظهور العالم الرقمي، وتغيرات طرأت على اللغة، واتساع الفجوة في الأسرة الواحدة بين الآباء والأبناء بسبب الثورة الرقمية، مع الوضع في الاعتبار أن تنوع المجتمع المصري، لا يتعارض مع وجود هوية وطنية موحدة.
أخذتني هذه العبارة إلى التاريخ وما جرى، وهو أمر لن يتسع له المقال، لكنني سأوجز الحديث فيه، لأصل إلى آفة حارتنا الآن، وهو اتساع مساحة الاختلاف، وكيف وصلنا إلى ذلك.
بالعودة إلى مصر القديمة، لم يكن سؤال الهوية مطروحا.. كانت الحياة مستقرة، ولا يوجد في الآثار الفرعونية أي إشارة، على حيرة المصري في معرفة نفسه. لا فيما تركه من شعر أو نثر أو تراتيل أو أغانٍ، فالحدود المصرية آمنة، وإذا مر بها غاز لا يترك أثرا كبيرا حتى حدث الغزو اليوناني. النيل يحدد شكل الحياة الزراعية وتنظيمها، وما أتت به من اختراعات مثل الساقية والشادوف للري، وقامت الدولة على نظام سياسي، فيه الحاكم على قمة السلطة له منزلة الإله، تماما كالنيل مصدر الحياة، وتحته كهنة المعابد وحكام البلاد. ترك المواطن المصري لهم ذلك، وراح ينعم بحياته، ويبدع في الفنون والآداب والعلوم، وانشغل بالحياة الأخرى والخلود والبعث، فجاءت عمارته من أهرام ومسلات معبرة عن ذلك. تجد بين ذلك مثلا تمردا من نوع خاص، مثل شكاوى المصري الفصيح التي تعود إلى القرن الثالث والعشرين قبل الميلاد، وحفظتها لنا البردية الشهيرة التي تعرف باسم بردية المصري الفصيح.
فيها كيف أخذ موظف فاسد، حمار الفلاح بما عليه من أشياء كان يسعى لبيعها، فرفع شكاواه إلى المدير الأكبر، الذي بدوره رفعها إلى الحاكم، الذي أعجبه الأسلوب واللغة والمعاني، فأمر بعدم الاستجابة للفلاح حتى يستمر في شكاواه البليغة، فصارت علامة مهمة في التاريخ القديم، واسترد بعدها الفلاح ما تم اغتصابه منه.
مرّ على مصر القديمة قبل الغزو اليوناني، غزاة مثل الفرس أو النوبيين، لم يستقروا كثيرا ولم يتركوا أثرا، حتى جاء اليونانيون وبدأت مرحلة جديدة، فظهرت عبادات تمزج بين الآلهة الفرعونية والآلهة اليونانية. وباعتبار أن مصر كانت الأسبق في عبادة الإله الواحد مع إخناتون، رحبت في العصر الروماني بالمسيحيين الذين لاذوا بها، واعتنق أهلها الديانة المسيحية، وهنا كان التعذيب الذي وقع بهم من الرومان فائق الخيال، فهرب بعضهم إلى الصحراء البعيدة، وعاشوا في الكهوف، ومن هنا جاءت الرهبنة، حتى أعلن الإمبراطور الروماني قسطنطين الأكبر عام 313 ميلادية الاعتراف بالمسيحية.
كان أيضا للمسيحيين ضحايا وظهر من بعض أساقفها عداء للآثار المصرية باعتبارها دليلا على عبادة الأوثان، وحطموا بعضها، لكن هذا لم يجعل المصريين فاقدين لهويتهم، باعتبارهم أبناء النيل. حتى بعد أن دخلها المسلمون تم الترحيب بالدين الجديد، وحدثت بعض ثورات ليس بسبب الدين، لكن بسبب الجزية وما فعله بعض الحكام بالشعب، لكن استمرت مصر على حالها بين حكام يهنؤون بالحكم، وشعب يهنأ بحياته في الزراعة وأفكاره.
تغير العالم في العصر الحديث حول مصر. من أوروبا جاءت الغزوات أولها حملة بونابرت على مصر عام 1798. بعدها استمر الحكام من الخارج، فجاء بعد بونابرت محمد علي الذي كان وصوله إلى الحكم لا علاقة له بالهوية، فهو من مدينة قولة اليونانية، وفد إلى مصر ضمن الكتيبة التي أرسلتها الدولة العثمانية لمحاربة الحملة الفرنسية، لكن وصوله للحكم كانت له علاقة بالصراعات عليه وقتها، بين المماليك ومن بقي من العثمانيين من جهة، والشعب المصري وأعيانه وشيوخه من جهة. هنا قفز سؤال الهوية في الحياة المصرية. ليس بسبب حكمه، لكن بسبب البعثات العلمية التي بدأ بإرسالها من أجل النهضة، إلى أوروبا، وتغير الأوضاع في العالم. من نحن؟ عرب أم مسلمون أم مصريون. قفز السؤال رغم أن المصري امتص كل هذا من قبل، وصار عنصرا في تكوينه، لكن مع التغير في العالم، والصراعات التي ستصل إليه، ظهر السؤال وشغل المفكرين في النصف الأول من القرن التاسع عشر واستمر. ظهر سؤال الهوية في كتابات رفاعة الطهطاوي، ثم ظهر أكثر مع عبد الله النديم ومحمد عبده وعلي مبارك، ولمع وصار في أفق الثقافة والسياسة مع قاسم أمين ومصطفى كامل ولطفي السيد ثم محمد حسين هيكل وطه حسين والعقاد ومصطفى صادق الرافعي وسلامة موسى، وغيرهم من رواد النهضة الحديثة.
كان شعار مصر للمصريين بعد الثورة العرابية ووقوع الاحتلال البريطاني عام 1882 شعارا ضد الاحتلال، ولم يكن شوفينيا قط، فانفتحت أبواب مصر لكل المضطهدين أو الراغبين في العالم، من أرمن وإيطاليين ويونانيين وشوام ويهود، صنعوا جانبا كبيرا من نهضتنا في الصناعة والثقافة والصحافة والسينما والمسرح. كانت المعارك على الهوية قوية بين المجددين والمحافظين. من نادوا بثقافة البحر المتوسط مثل طه حسين، أو الفرعونية مثل سلامة موسى، أو بالإسلام مثل الرافعي، أو الأنكلو سكسونية مثل العقاد، لكن كل ذلك كان باعثا على التطور في مجتمع ليبرالي، رغم تدخلات في الحكم من إنكلترا أو الملك، وكانت معه النهضة الصناعية مع رجال مثل طلعت حرب، ونشاط المجتمع الأهلي في بناء المدارس والمستشفيات. كان كل هذا النقاش لإنجاز هوية للوجود والحياة المصرية اتسعت له الحياة الليبرالية.
بعد الحرب العالمية الثانية خرجت فرنسا وإنكلترا منها ضعيفتين، وبحثت أمريكا التي زادت قوتها عن نفوذ لها، فجاءت حركة الانقلابات العسكرية، التي بدأت في سوريا بانقلاب حسني الزعيم عام 1949 ثم مصر عام 1952 وتتالت في دول عربية. ارتفع شعار القومية العربية ولم يكن جديدا، فقد ظهر الحديث عن العروبة من قبل في كتابات بطرس البستاني ونصيف اليازجي وساطع الحصري من الشام في مواجهة الاحتلال العثماني، وعبد الرحمن الكواكبي وأحمد زكي باشا من مصر، وكان من نتائجه جامعة الدول العربية عام 1945 لكن النظام الحاكم الجديد في مصر لم يتسع لاتجاهات أخرى، وعرف الآلاف المعتقلات، وكان تطبيق العروبة بالقوة، فحدثت حروب لا معنى لها مثل اشتراك مصر في حرب اليمن.
اختفى شعار مصر للمصريين، الذي لم يكن عنصريا كما قلت. صارت العروبة قبل مصر، رغم إنها موجودة في قلب المصريين ولغتهم. وجاءت هزيمة 1967 لتنهي مسألة القومية العربية. بعد وفاة عبد الناصر ومع أنور السادات، الذي لم يرث من عبد الناصر غير فكرة الزعيم الأوحد، صار التيار الإسلامي هو البديل. ويعمل أنصاره على تحقيق ديكتاتورية ألعن من ديكتاتورية القوميين، ومعهم هذه المرة شعار الكفر لخصومهم والإيمان لهم. فتح السادات باب بيع كل منجزات عبد الناصر في الصناعة والصحة، وبدأ البناء العشوائي والهجرة من الريف للمدن، وفتح باب التعليم الخاص، فانحدر التعليم العام، وأصبح التباهي بتعلم اللغات غير العربية، وليته كان ممتازا. استمر الأمر واتسع حتى الآن، فما زالت فكرة الزعيم الأوحد. من هنا اضطرب موضوع الهوية، ودخلت فيه كل القضايا التي قرأت أن مؤتمر مكتبة الإسكندرية ناقشها، خاصة التعليم والتربية. لكن تظل العظة عابرة الزمن أنه مع الاحترام لكل المحاولات لترسيخ هوية وطنية، لن يكتمل الأمر أو يستمر في دولة غير ديمقراطية.
كاتب مصري
- هل يمكن تصديق الرواية الرسمية المصرية عن «متصدقّش»؟
- الجماهير الفرنسية تستقبل زيدان بحماس كبير في ملعب “ستاد دو فرانس”
- توجيه الاتهام إلى إيرانيَّين بالتخطيط لعمل إرهابي ضد الجالية اليهودية في مانشستر
- ميليشيا موالية للحكومة في إثيوبيا تعلن سيطرتها على مطار عاصمة إقليم تيغراي
- مع محاكمة نشطاء التضامن مع فلسطين “أولم 5″… ألمانيا تبدو دولة بوليسية أكثر فأكثر

















0 تعليق