سوريا: «تخريب محترف» وراء تفجير خط غاز الشولة يفتح ملف حماية إمدادات الطاقة

منذ 3 ساعة

منهل باريش

تبدو فرضية تحرك خلايا مرتبطة بإيران للضغط على الحكومة السورية عبر تعطيل إمدادات الطاقة جديرة بالنظر، لما يتيحه تدهور الخدمات من تأجيج الاستياء وإرباك التعافي.

كشف مصدر مسؤول في الشركة السورية للبترول لـ«القدس العربي» أن تفجير خط الغاز في منطقة الشولة بريف دير الزور نُفّذ بطريقة احترافية، مشيرًا إلى أن العملية تُوصف في أروقة الشركة بأنها «تخريب محترف». وأفاد مصدر آخر في الشركة السورية للغاز في دير الزور بأن خبراء أمريكيين وسعوديين عاينوا خط الضخ، وساعدوا الفنيين السوريين في التحقيق بكيفية تنفيذ التفجير.
وتضع هذه المعلومات حماية خطوط إمداد الغاز في صلب المعالجة، إلى جانب تحديد المنفذين ومصدر معرفتهم الفنية. فاختيار موضع محدد للاستهداف يثير تساؤلات عن كيفية الوصول إليه، وإجراءات الحراسة والمراقبة التي يفترض أن تحول دون العبث به.
ووقعت حادثة الشولة مساء الاثنين 28 أيلول/سبتمبر، بعد نحو ستة أسابيع من انفجار خط تصدير الغاز من معمل الجبسة في الحسكة، وقبل يومين من انفجار خط الغاز المغذي لمحطة تشرين الحرارية في ريف دمشق، الذي أدى إلى توقف ثلاث محطات لتوليد الكهرباء.
وبينما أعلنت السلطات أن انفجار خط تصدير الغاز من الجبسة في آب/ أغسطس، وتفجير الخط في الشولة في أيلول/ سبتمبر، ناجمان عن تخريب متعمد، بقي سبب انفجار تشرين قيد التحقيق، وفق التصريحات الرسمية المتاحة حتى الجمعة 2 تشرين الأول/أكتوبر. ولم تتضمن البيانات المنشورة تحديدًا للجهات المنفذة أو أدلة تثبت ارتباط الحوادث الثلاث ببعضها.

معرفة فنية وثغرة في الحماية

وقال المصدر المسؤول في الشركة السورية للبترول إن اختيار موضع التفجير في الشولة يشير إلى معرفة منفذه بمنطقة التنفيس ونقطة الضعف في الأنبوب، وهي النقطة التي استهدفها. واعتبر أن هذه المعرفة ترجّح احتمال أن يكون المنفذ أحد العاملين السابقين في الشركة أو من المتضررين، من دون أن يحسم هويته.
ورفض المصدر التعليق على معلومات بشأن إجراء تحقيقات مع العاملين المسؤولين عن ضخ الغاز. وتبقى هذه المعلومات غير مؤكدة، كما أن التحقيق مع العاملين، إن حصل، لا يعني ثبوت تورطهم في العملية.
وكان وزير الطاقة محمد البشير أعلن، وفق وكالة الأنباء السورية «سانا»، أن مواد متفجرة استهدفت صمامًا على خط الغاز في الشولة. وبذلك، تجاوزت الرواية الرسمية احتمال العطل الفني في هذه الحادثة، فيما بقيت هوية المنفذين وطريقة وصولهم إلى الموقع مفتوحتين أمام التحقيق.
وتشير إفادة المصدر بشأن احترافية التنفيذ إلى جانب يحتاج إلى تدقيق، وهو مصدر المعلومات التي استند إليها المنفذ. غير أن المعرفة الفنية وحدها لا تثبت صلة وظيفية بالشركة؛ فقد تكون ناتجة عن خبرة سابقة أو معلومات حصل عليها المنفذ من طرف آخر.
وبالتوازي، يطرح التفجير مسألة حماية الموقع. فلم توضح البيانات المنشورة ترتيبات الحراسة والمراقبة على هذا المقطع من الخط، أو ما إذا كانت قد سُجلت محاولات عبث أو تحذيرات سابقة. وتكتسب هذه التفاصيل أهمية في معرفة ما أتاح تنفيذ العملية، وفي تحديد الإجراءات اللازمة لمنع تكرارها.

من الحسكة إلى ريف حمص

يقع معمل غاز الجبسة في منطقة الشدادي بريف الحسكة الجنوبي، بينما تقع الشولة جنوب غربي مدينة دير الزور، ويمر بها مقطع تسميه البيانات الرسمية «خط غاز الجبسة». وتتجه إمدادات الغاز من حقول الجبسة إلى معمل غاز الفرقلس بريف حمص، وفق ما أعلنته الشركة السورية للبترول عن بدء الضخ في كانون الثاني/يناير الماضي.
وتفسر هذه الجغرافيا ورود اسم الجبسة في خبرين عن حادثتين منفصلتين. فالأولى وقعت على خط تصدير الغاز من المعمل في آب/أغسطس، والثانية استهدفت مقطعًا من خط غاز الجبسة في الشولة في أيلول/سبتمبر. غير أن البيانات لا تقدم خريطة تفصيلية تسمح بالجزم بأن موضعي الانفجار يقعان على أنبوب واحد متصل دون تفرعات.
وأعلنت الشركة السورية للبترول يوم الجمعة 2 تشرين الأول/أكتوبر عودة خط غاز الجبسة إلى الخدمة، بعد استبدال مقطع متضرر بطول ثمانية عشر مترًا وقطر ست عشرة إنشًا، واستئناف ضخ الغاز عبره. وقال مدير الغاز البري في الشركة السورية للغاز التابعة لها، يوسف اليوسف، إن ورشات الشركة تحركت إلى الموقع وأعادت تأهيل الخط، الذي كان ينقل نحو تسعمئة وخمسين ألف متر مكعب يوميًا.
وتوضح هذه الكمية أهمية الخط في استمرار الإمدادات، لكنها لا تكفي وحدها لحساب مقدار التوليد الكهربائي الذي فُقد خلال توقفه. فالتصريحات المذكورة لم تحدد حصة كل محطة من الغاز المنقول، ولا الكميات التي أمكن تعويضها من مصادر أخرى.
وبذلك، تعالج عودة الضخ الأثر المباشر للتفجير، فيما يبقى استمرار الخدمة مرتبطًا بحماية المسار وجاهزيته، وقدرة المنظومة على توفير إمدادات بديلة عند تعطله.

انفجار واحد يوقف ثلاث محطات

سبقت حادثة الشولة واقعة مماثلة في أثرها على إمدادات الكهرباء. ففي فجر الثلاثاء 18 آب/أغسطس، وقع انفجار على خط تصدير الغاز من معمل الجبسة بريف الحسكة، ما أدى إلى توقف الضخ وعزل الآبار وإغلاق صمامات الأمان، من دون تسجيل إصابات بين العاملين.
وقالت الشركة السورية للبترول إن نتائج التحقيقات الأولية ومعاينة الموقع أظهرت أن الانفجار ناجم عن تخريب متعمد. وأشارت إلى تأثر تغذية عدد من عنفات التوليد، وإلى التنسيق مع الشركة السورية للكهرباء لتعويض النقص عبر البدائل المتاحة. غير أن البيان لم يحدد وسيلة التنفيذ أو هوية المنفذين، ولم يعرض تفاصيل الأدلة الفنية التي استند إليها.
أما انفجار تشرين، مساء الأربعاء 30 أيلول/سبتمبر، فقد أصاب خط الغاز المغذي للمحطة الحرارية في ريف دمشق، وامتد أثره إلى محطتي دير علي والناصرية. وأوضح مدير محطة تشرين، جبر الرفاعي، أن الحريق خفض ضغط الغاز إلى مستويات حرجة، فتدخلت أنظمة الحماية وخرجت المحطتان الأخريان من الخدمة إلى جانب المحطة المتضررة.
ويوم الخميس الأول من تشرين الأول/أكتوبر، أعلنت الشركة السورية للكهرباء عودة دير علي والناصرية إلى العمل بعد استعادة إمدادات الغاز، وبقاء تشرين خارج الخدمة نتيجة الأضرار التي لحقت بتجهيزاتها وخط الغاز.
ويكشف هذا التسلسل أن توقف المحطات الثلاث نتج عن امتداد أثر حادثة واحدة عبر منظومة الإمداد. فقد أتاحت استعادة الغاز تشغيل محطتين، بينما احتاجت تشرين إلى إصلاح تجهيزات تضررت مباشرة، بينها محطة تخفيض الضغط وخطوط الغاز المغذية لها.
وقال وزير الطاقة إن سبب انفجار تشرين لم يُحسم بين الخلل الفني والاستهداف أو التخريب. وأكد مدير المحطة، في تصريح نُشر فجر الجمعة، أن الموقع ما زال بعهدة الأمن الداخلي للتحقيق، بالتوازي مع تقييم الأضرار وتحديد احتياجات الإصلاح.
تأتي انفجارات الغاز ضمن سجل أوسع من الحوادث التي أصابت قطاع الطاقة منذ سقوط النظام في الثامن من كانون الأول/ديسمبر 2024، وتشمل أضرار القتال والسرقة والتوقفات التشغيلية.
ففي شمال البلاد، تضرر سد تشرين الكهرومائي شرقي حلب خلال القتال منذ العاشر من كانون الأول/ديسمبر. ووثقت منظمة الأمم المتحدة للطفولة «اليونيسف»، في تقريرها خلال كانون الثاني/يناير 2025، حرمان أكثر من أربعمئة وثلاثة عشر ألف شخص في منبج وعين العرب من المياه والكهرباء نتيجة تعطله. والسد منشأة مختلفة عن محطة تشرين الحرارية في ريف دمشق.
وفي الجنوب، أدت سرقة مكونات أبراج خط دير علي–الشيخ مسكين، في التاسع من نيسان/أبريل 2025، إلى انهيار أبراج وخروج مسارات من الخدمة وانقطاع الكهرباء عن درعا والسويداء، وفق تصريحات شركة كهرباء درعا.
وتكرر الأثر في الشرق، حيث أُعلن في الثلاثين من تموز/يوليو 2026 بدء إصلاح خط توتر عالٍ في السخنة، بعد تخريب وسرقة تسببا بانقطاع الكهرباء عن محافظة دير الزور، مع تشغيل عنفات خدمية في محطة التيم مؤقتًا.
وفي المقابل، شهدت الشبكة توقفات ذات أسباب فنية معلنة. ففي التاسع والعشرين من آذار/مارس 2026، أدى عطل في خطوط التوتر العالي إلى توقف محطة حلب الحرارية وانقطاع الكهرباء عن المنطقة الشمالية، قبل بدء أعمال إعادة إقلاع مجموعتي التوليد، وفق «سانا».
وتبين هذه الوقائع أن تشابه النتائج بالنسبة إلى السكان لا يعني وحدة الأسباب. فالسرقة تستهدف قيمة المعدات، وقد يرتبط العطل بحالة تجهيزات الشبكة، بينما يحتاج التفجير المتعمد إلى تحقيق يحدد المنفذين ودوافعهم. كما يمكن لترابط المنشآت واعتمادها على مصادر مشتركة أن يوسعا أثر الحادث إلى مناطق لم تتعرض لاستهداف مباشر.

ضغط على
الحكومة والتعافي

سياسيًا، يمكن لاستمرار تدهور الخدمات أن يضعف الثقة بقدرة الحكومة على إدارة التعافي، ويوفر لخصومها فرصة لاستثمار الاستياء الشعبي. وقد يدفع تكرار الحوادث المستثمرين إلى إعادة تقييم مخاطر التشغيل، خصوصًا عندما تبقى أسبابها وإجراءات منع تكرارها غير واضحة.
وفي قراءة سياسية لهذه الاستهدافات، تبدو فرضية تحرك خلايا مرتبطة بإيران للضغط على الحكومة السورية عبر تعطيل إمدادات الطاقة جديرة بالنظر، لما يتيحه تدهور الخدمات من تأجيج الاستياء وإرباك التعافي. ويظل هذا تقديرًا للدوافع المحتملة، في انتظار أدلة التحقيق التي تحدد هوية المنفذين والجهات المرتبطة بهم. فالمعرفة الفنية التي أشار إليها المصدر لا تكشف وحدها الانتماء السياسي أو التنظيمي لمن نفذ التفجير.
ومع إعلان وزير الطاقة استخدام مواد متفجرة في الشولة، تتجه الأسئلة إلى مصدر معرفة المنفذين بالخط وكيفية الوصول إلى موضع الاستهداف، ومدى ارتباط العملية بالحوادث الأخرى. وتضيف المعلومات التي حصلت عليها «القدس العربي» عن مشاركة خبراء دوليين في الكشف بُعدًا فنيًا إلى التحقيق في طريقة التنفيذ.
وتعيد عودة الخط إلى الخدمة إمدادات الغاز، لكنها تُبقي تحدي حمايته قائمًا. فاستقرار الكهرباء يتطلب حماية خطوط الوقود والنقل، وتحسين الصيانة، وتوفير بدائل تحد من اتساع أثر الحادث الواحد إلى عدة محطات. وتبقى نتائج التحقيق ضرورية لتحديد المسؤوليات ومعالجة الثغرات التي أتاحت تنفيذ التفجير.

✎

فريق تحرير مصري فور نيوز

فريق التحرير في مصري فور نيوز — نتابع الخبر من مصادره ونقدّمه لك محرَّراً ومراجَعاً على مدار الساعة.

أخبار ذات صلة

0 تعليق