مشرق ريسان
لم يخف سياسيون سنّة وأكراد مخاوفهم من خطورة عودة نشاط الجهاديين وتكرار سيناريو 2014، رغم التطمينات الحكومية بقدرة وجاهزية قوات الأمن العراقية لفرض سيطرتها على جميع مناطق البلاد.
بغداد ـ «القدس العربي»: بينما يحتفل العراقيون بانسحاب قوات التحالف الدولي المناهض لتنظيم «الدولة الإسلامية»، من الأراضي العراقية، وتحقيق «السيادة الكاملة» للسلطة الاتحادية، لم يخف سياسيون سنّة وأكراد مخاوفهم من خطورة عودة نشاط الجهاديين وتكرار سيناريو صيف 2014، رغم التطمينات الحكومية بقدرة وجاهزية قوات الأمن العراقية لفرض سيطرتها على جميع مناطق البلاد.
وكان زعيم الحزب «الديمقراطي» الكردستاني، مسعود بارزاني، قد عبّر عن قلقه من عودة التنظيم، حينما أدلى بتصريحات لمحطة محلية ردّاً على سؤال حول انسحاب قوات التحالف الدولي، استعاد بارزاني اعتراف وزيري الدفاع والداخلية العراقيين قبل انسحاب القوات الأمريكية عام 2011 بعدم امتلاك البلاد القدرة على حماية نفسها.
وقال: «حينها رحل الأمريكيون وجاء داعش، وأنا أخشى اليوم تكرار السيناريو نفسه»، مذكّراً في الوقت عينه بأن «الحكومة العراقية اضطرت بعد هجوم داعش عام 2014 إلى طلب المساعدة من الولايات المتحدة ودول أوروبية وحلف (الناتو)».
هذه المخاوف لم تقتصر على الأكراد فقط، بل امتدت إلى السنّة أيضاً حينما حذّر رئيس مجلس النواب هيبت الحلبوسي، من أن يكون الانسحاب الأمريكي والتحالف الدولي من العراق «بداية فراغ» تستغله قوى «الإرهاب».
وقال الحلبوسي في كلمته بمؤتمر «يوم السيادة»، إن «تزامن هذه المناسبة مع انتهاء مهمة القوات الأمريكية والتحالف الدولي في العراق يمثلُ لحظةً مهمةً ينبغي أن نقرأها بعين المسؤولية لا بعين الاحتفال وحده»، مبينًا أن «خروج القوات الأجنبية من أرض العراق يجب أن يكون تتويجاً لاكتمال قدرة الدولة، وليس بداية لفراغ قد تستغله قوى الإرهاب أو الفوضى أو التدخلات الخارجية».
وأضاف: «لقد علّمتنا التجارب السابقة أن الأمن لا يُبنى بمجرد مغادرة القوات الأجنبية، وإنما ببناء مؤسسات الدولة، وتعزيز قدرات القوات الأمنية، وترسيخ القرار الوطني، وتحقيق العدالة والتنمية، وإشراك جميع أبناء العراق في حماية دولتهم وصناعة مستقبلها».
وأشار إلى إنه «إذ نستذكر اليوم تجربة الانسحاب السابقة، فإن واجبنا أن نتعلم من التاريخ لا أن نُعيدَ أخطاءه»، موضحاً أن «العراق لا يريد أن يدفع مرةً أخرى ثمناً باهظاً لفراغ أمني أو سياسي يسمح للإرهاب بأن يجد طريقه إلى مدنه وأبنائه».
ووفق الحلبوسي فإن «تجربة مواجهة تنظيم داعش أثبتت أن الاستقرار الأمني يرتبط ارتباطاً وثيقاً باستقرار المجتمعات، وبقوة مؤسسات الدولة، وبقدرة المناطق المتضررة على استعادة حياتها ودورها»، لافتًا إلى أن «المناطق المحررة ليست مجرد صفحات من الماضي، بل هي جزء أساسي من مستقبل العراق».
وما بين موقف بارزاني والحلبوسي، سجّل العراق جمّلة من العمليات الأمنية خلال الأسبوع الماضي، من بينها إلقاء القبض على إثنين من المطلوبين، متهمين بقضايا تتعلق بـ«الإرهاب» في الأنبار، بالإضافة إلى إلقاء القبض على ثلاثة متهمين بالانتماء إلى تنظيم «الدولة الإسلامية» في محافظة السليمانية، فضلاً عن الحادثة الأبرز التي شهدتها محافظة كركوك، أبرز المناطق المتنازع عليها بين بغداد وأربيل.
وكانت مواجهة بالأسلحة قد حصلت نهاية أيلول/سبتمبر، بين أفراد من قوة مكافحة «الإرهاب» وعناصر من التنظيم في منطقة ألتون كوبري بمحافظة كركوك، سقط خلالها قتلى وجرحى.
وأعلن جهاز مكافحة «الإرهاب» العراقي، أن قواته نفذت عملية أمنية نوعية في (ألتون كوبري)، جرى خلالها الاشتباك مع ثلاثة «إرهابيين»، قتل اثنان منهم- كانا يرتديان أحزمة ناسفة- والقي القبض على الثالث.
فيما ذكرت مصادر كردية ان فتى قتل خلال الاشتباكات التي حصلت داخل محل تجاري في المدينة.
ووفق قراءة السياسي العراقي، القيادي في تحالف «متحدون»، أثيل النجيفي، فإن «التنظيم لم يمت»، وإن «خلاياه ليست نائمة بالقدر الذي نطمئن به أنفسنا»، مشيراً إلى إن قدرة التنظيم على المواجهة المسلحة تعني إنه لا يزال يمتلك «سلاحاً وملاذاً وخطوط إمداد».
وفي إيضاحٍ أصدره تعليقاً على عملية كركوك وتصريحات بارزاني، رأى النجيفي أن العملية لم تكن «حدثاً معزولاً، فقد تزامنت مع تحذير أطلقه مسعود بارزاني عبر قناة الشرقية (العراقية) من احتمال عودة التنظيم بعد الانسحاب الأمريكي، وهو (بارزاني) من أكثر المطّلعين على تفاصيل الحرب على الإرهاب وما كان العراق يتلقاه فيها من دعم استخباري وجوي وتدريبي».
وأضاف: «حين يلتقي التحذير بالواقعة، يصعب تجاهل الرسالة: التنظيم لم يمت، وخلاياه ليست نائمة بالقدر الذي نطمئن به أنفسنا. فقدرتها على المواجهة المسلحة تعني أنها ما زالت تملك سلاحاً وملاذاً وخطوط إمداد».
ولفت النجيفي إلى أنه «لا يعني التمسك بالتعاون الدولي في مكافحة الإرهاب انحيازاً في صراعات الآخرين، فحماية العراقيين من الإرهاب مصلحة عراقية خالصة، لا ورقة في حرب بين دولتين».
وزاد: «كعادتنا، سننشغل بالسؤال عن الجهة التي حرّكت هذه الخلايا وعن توقيت تحريكها، ولكلٍّ منا متّهَمه ومبرراته، غير أن ما أخشاه ليس عودة التنظيم وحدها، فالتنظيم يمكن مواجهته. ما أخشاه أن تصبح عودته ذريعةً لعودة الأسلوب الذي سبقها».
وتابع: «فقد عرفنا في سنوات مضت سياسة عاملت مجتمعاً بأكمله معاملة المتهم، ولم يسلم من التهمة حتى من بذلوا دماءهم وأموالهم في مواجهة الإرهاب. ولم تكن نتيجتها أمناً، بل مجتمعاً انسحب من شراكته مع الدولة، ووقف على الحياد في أحسن الأحوال، بين دولة تتهمه وإرهاب يتربص به. وبعد التحرير، خففت مقاربة مختلفة شيئاً من ذلك الاحتقان، حين بدأت الدولة تكسب مجتمعها بدل أن تخاصمه، فانحصر الإرهابيون والعابثون منبوذين في زوايا ضيقة».
ويوضح النجيفي بأنه لا يتحدث عن «مؤشرات بدأت، بل أحذّر قبل أن تبدأ. فالسياسات الخاطئة لا تعلن عن نفسها، وإنما تتسلل تحت عنوان الضرورة الأمنية»، موجهاً سؤالاً للسلطات العراقية ومن يمتلك قرار الأمن والسلاح: «أيّ الطريقين ستسلك في مواجهة هذا التهديد؟ لقد جرّبنا الطريقين، ونعرف أيّهما أنتج الأمن، وأيّهما أنتج الفراغ الذي دخل منه الإرهاب».
وبينما أشار السياسي العراقي إلى أن «في دوامة الصراع الإقليمي أطراف ستجد في فوضى العراق مصلحة، إما لإبعاد الفوضى عن ساحاتها، أو لتحويل العراق إلى ورقة تفاوض»، غير أنه أكد أن «هذه الأطراف لا تصنع الثغرات، بل تستثمر فيما نتركه منها مفتوحاً. والثغرة الأخطر ليست على حدودنا، بل في الثقة بين الدولة ومجتمعها. فمن سيغلقها، إن لم تغلقها الدولة نفسها؟».
















0 تعليق