حسين مجدوبي
يعتبر تراجع الملكية الإسبانية عن لعب دور الوسيط، وهو الدور الذي قامت به منذ الانتقال الديمقراطي أواسط السبعينات، تطورا لا يصب في صالح العلاقات المغربية-الإسبانية الآن ومستقبلا.
لندن ـ «القدس العربي»: اعتادت الملكية الإسبانية أن تلعب دور التهدئة والوساطة والحوار مع نظيرتها المغربية إبّان الأزمات بين البلدين، وكانت بمثابة رجل إطفاء. غير أنها في أزمة مأساة سبتة المحتلة، أصبحت المحرّك الرئيسي للضغط على المغرب ومحاولة تدويل هذا الملف خاصة أوروبيا.
وعمليا، يوجد خلل في التعامل المؤسساتي بين المغرب وإسبانيا. فملك المغرب يرغب في التعامل مع نظيره الإسباني، إلا أن الأخير يفتقد إلى سلطة القرار لأنه يخضع للحكومة المنتخبة، وهي بدورها تخضع للمحاسبة أمام البرلمان الذي يمثل الشعب. في المقابل، يرغب رئيس الحكومة الإسبانية في التعامل مباشرة مع ملك المغرب لأنه صاحب القرار، بينما لا يمتلك رئيس الحكومة المغربية سلطة القرار في الملفات الشائكة التي تنفجر بين الرباط ومدريد بين الحين والآخر. ويترتب على هذا الخلل سوء تفاهم في بعض الأحيان. ويحكي وزير خارجية إسبانيا الأسبق خافيير سولانا أنه وقع ذات يوم خلاف في الحوار مع الملك الراحل الحسن الثاني، فقال هذا الأخير غاضبا: «انتهى كل شيء، أنا أتعامل مع الملك وليس مع الوزير».
وفي أزمة مأساة سبتة، الناتجة عن الاقتحام الجماعي للمدينة من قبل قرابة 80 ألف شخص، أغلبهم مغاربة، وتسجيل غرق 141 شخصا، راهن كثير من المهتمين بالعلاقات المغربية-الإسبانية على قيام الملك فيليبي السادس بدور الوساطة. وكانت جريدة «الباييس» قد أوردت يوم 21 آب/أغسطس الماضي أن حكومة مدريد تأمل في وساطة من الملك فيليبي مع نظيره المغربي محمد السادس. وبالموازاة مع ذلك، اعتبر إنريكي سانتياغو، المتحدث البرلماني باسم حزب «اليسار الموحد» المشارك في الائتلاف الحكومي، أن العاهل الإسباني تأخر كثيرا في الاضطلاع بدور في هذه الأزمة، قائلا إن «المكالمة مع ملك المغرب كان ينبغي أن تتم منذ اللحظة الأولى لوصول المهاجرين بأعداد كبيرة، باعتبارنا بلدين جارين تربطنا علاقة راسخة».
غير أن التطورات أبرزت كيف اتخذ الملك فيليبي السادس تدريجيا مواقف متشددة في هذه الأزمة، بلغت مستوى يوحي بالقطيعة مع نظيره المغربي محمد السادس. فقد أدان عملية الاقتحام الجماعي لسبتة باعتبارها انتهاكا غير مقبول للحدود الإسبانية والأوروبية، وطالب حكومة بيدرو سانشيز بضمان أمن سبتة ومليلية، وكان من أوائل من دعوا الاتحاد الأوروبي إلى اتخاذ إجراءات تضامنية مع إسبانيا وساكنة سبتة. ويتجلى هذا التشدد في ثلاثة مواقف رئيسية:
أولا، تشدد في ملف سبتة، إذ اعتبر ما جرى انتهاكا للوحدة الترابية الإسبانية. ولهذا عقد الملك فيليبي السادس يوم 8 أيلول/سبتمبر الماضي اجتماعا عسكريا في القصر ضم وزيرة الدفاع مارغريتا روبلس وقيادات الجيش بمختلف فروعه، إضافة إلى القيادة العسكرية لسبتة المحتلة ومدراء العمليات الحربية. وكان يرتدي الزي العسكري بصفته القائد الأعلى للجيش، وهو ما لفت انتباه المعلقين. وعلّقت جريدة «الباييس» على الاجتماع بأن الملك، على غير عادته، تعمّد نشر صورة الاجتماع في الموقع الرقمي للملكية مع تعليق يفيد أنه جرى تخصيص الاجتماع لأزمة سبتة «من زاوية الدفاع»، بمعنى أنه عالج الاقتحام الجماعي باعتباره اعتداء على الوحدة الترابية لإسبانيا وسبل الرد على هذا التحدي.
ثانيا، استغل المناسبات الدولية التي تستضيفها إسبانيا لاستحضار مأساة سبتة بصيغة أوروبية، تأكيدا لطابعها الإسباني والأوروبي. ولعل المثال الأبرز هو الخطاب الذي ألقاه الثلاثاء الماضي في العشاء الرسمي أمام الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بمناسبة زيارته إلى مدريد، حيث قال: «إن التسلل الجماعي لعشرات الآلاف من الأشخاص عبر الحدود الإسبانية، التي هي أيضا حدود أوروبية، أمر غير مقبول… إنها حالة يجب أن تؤدي إلى تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، سواء على صعيد الموارد أو التعاون. فنحن، الدول التي تتحمل ضغطا أكبر لكوننا على الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي، لا يمكننا أن نتحمل بمفردنا مسؤولية تقع على عاتق الجميع». ونجحت هذه الاستراتيجية في جعل ماكرون يتبنى الرواية نفسها ويعتبر سبتة ومليلية أرضا إسبانية، وهي سابقة في نظرة باريس إلى ملف المدينتين المحتلتين، علما أن الرئيس الفرنسي الأسبق جاك شيراك كان قد نصح رئيس الحكومة الإسبانية خوسيه ماريا أثنار، بحسب مذكرات الأخير، خلال أزمة جزيرة تورة (ليلى) صيف 2002، بإعادة سبتة ومليلية إلى المغرب. وفي موقف آخر، قال الملك في المنتدى الأطلسي في مدينة لاتوخا شمال غرب إسبانيا مخصص لدراسة سبل تعزيز العلاقات الغربية بأن العالم يجب أن يواجه تحديات الحرب الهجينة. وأولت الصحافة مثل «آ بي سي» أنه يشير إلى ما يسمى حاليا «الحرب الهجينة» التي شنها المغرب ضد إسبانيا في الاقتحام الجماعي لسبتة يوم 30 تموز/يوليو الماضي.
ثالثا، يبدو أن مواقف الملك فيليبي السادس هي التي دفعت الدولة العميقة إلى التشدد في ملف مأساة سبتة وفي مجمل العلاقات المغربية-الإسبانية. فقد كان رئيس الحكومة بيدرو سانشيز يريد برمجة زيارة الملك إلى سبتة ومليلية بعد انتهاء الأزمة، إلا أن ضغط المؤسسة الملكية وتيارات داخل الدولة، بما فيها المؤسسة العسكرية، عجّل بالزيارة التي جرت برمجتها يومي 13 و14 تشرين الأول/أكتوبر الجاري. ويدرك فيليبي السادس أنه يضع الملكية المغربية في موقف حرج، وأنها قد ترد ببيان شديد اللهجة كما فعلت إثر زيارة أبيه للمدينتين، لكنه فضّل تنفيذ الزيارة. وكان الملك خوان كارلوس قد زار المدينتين في تشرين الثاني/نوفمبر 2007، فأصدر الديوان الملكي في الرباط حينها بيانا من أشد البيانات في تاريخ الملكية المغربية، وصف فيه الملكية الإسبانية بالاستعمارية والإمبريالية. وتفيد جريدة «آ بي سي» في تحليل لها الخميس الماضي، اعتمادا على مصادر من القصر الملكي الإسباني، أن فيليبي السادس يريد جعل زيارته الى سبتة ومليلية عادية بدون أخذ مواقف المغرب بعين الاعتبار.
كل هذه التطورات تجعل الملكية الإسبانية تفقد دور الوسيط في النزاعات مع المغرب، وأصبحت تدريجيا طرفا في هذه النزاعات مثل حالة مأساة سبتة. وكانت العلاقات بين الملكين فيليبي السادس ومحمد السادس باردة. وذلك لأن الرباط لم تطمئن للموقف الغامض لفيليبي السادس بدعم موقف بيدرو سانشيز عندما اعترف بأنه الحكم الذاتي هو الأنسب والوحيد لحل نزاع الصحراء الغربية.
وعمليا، يعتبر تراجع الملكية الإسبانية عن لعب دور الوسيط، وهو الدور الذي قامت به منذ الانتقال الديمقراطي أواسط السبعينات،ـ تطورا لا يصب في صالح العلاقات المغربية-الإسبانية الآن ومستقبلا.
















0 تعليق