أكد الدكتور أمجد الوكيل، الرئيس الأسبق لهيئة المحطات النووية لتوليد الكهرباء، أن اهتمام مصر بالتعاون مع روسيا في مجال المفاعلات النووية الصغيرة والعائمة يمثل فرصة مهمة لتنويع مصادر الطاقة وتعزيز البرنامج النووي المصري، مشددًا على ضرورة إخضاع هذه التكنولوجيا لدراسات فنية واقتصادية وبيئية وقانونية متكاملة قبل اتخاذ قرارات بشأن تطبيقها.
وأوضح الوكيل أن اهتمام مصر بهذا المجال، الذي عبر عنه فخامة السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال مباحثاته مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين، على هامش القمة الروسية الأفريقية في موسكو يوم 28 أكتوبر 2026، يعكس أهمية تنويع الخيارات التكنولوجية، وعدم الاقتصار على المفاعلات النووية الكبيرة، مع دراسة إمكانية إدخال المفاعلات النووية الصغيرة المعيارية (SMRs) ضمن استراتيجية الطاقة المصرية 2040.
وأشار في منشور له بعنوان «المفاعلات النووية الصغيرة والعائمة: فرص التعاون وآفاق المستقبل في مصر»، إلى أن المحطات النووية الصغيرة والعائمة تتيح فرصًا متعددة، لا تقتصر على توليد الكهرباء، وإنما تمتد إلى تحلية مياه البحر وتوفير الطاقة للمناطق الساحلية والنائية والمناطق الصناعية التي تحتاج إلى إمدادات مستقرة من الكهرباء والطاقة الحرارية.
وأضاف أن المحطات النووية العائمة تتميز بإمكانية نقلها وتركيبها في مواقع ساحلية مناسبة، بما قد يوفر بعض الوقت في تنفيذ المشروعات، وفقًا لطبيعة التصميم ومتطلبات الموقع، موضحًا أن المفاعلات الصغيرة المعيارية ليست جميعها عائمة، إذ توجد تصميمات برية وأخرى عائمة، ولكل منها خصائصها الفنية والاقتصادية.
نقل التكنولوجيا وتعظيم المكون المحلي
وشدد الوكيل على أن نقل التكنولوجيا وبناء القدرات الوطنية يجب أن يكونا من أهم معايير اختيار أي تكنولوجيا نووية جديدة، لافتًا إلى أن مشروع محطة الضبعة أتاح فرصة مهمة لتعزيز مشاركة الشركات المصرية في تنفيذ المشروعات النووية، وبناء الخبرات الهندسية والصناعية وتأهيل الكوادر البشرية.
وحذر من أن بعض نماذج المحطات النووية العائمة قد تعتمد على تصنيع الوحدة النووية وتجهيزها وتشغيلها بواسطة الشركة المالكة أو المشغلة، ثم نقلها إلى الدولة المستفيدة، وهو ما قد يقلل فرص المشاركة المحلية في بعض المكونات الرئيسية، خاصة الجزيرة النووية والمنشآت البحرية المتخصصة.
وأكد أهمية تضمين اتفاقيات التعاون برامج واضحة لنقل المعرفة والتصنيع وتدريب الكوادر المصرية، وزيادة المكون المحلي، وتوسيع مشاركة الشركات والجامعات ومراكز البحث العلمي، مشيرًا إلى وجود فرص للتوطين في الأعمال المدنية والمساندة والربط الكهربائي والخدمات الهندسية واللوجستية والصيانة والتشغيل.
المفاعلات الصغيرة واحتياجات الشبكة الكهربائية
وفيما يتعلق باحتياجات قطاع الكهرباء، أوضح الوكيل أن اتخاذ قرار بإضافة قدرات نووية جديدة يجب أن يستند إلى تقييم شامل للاحتياجات المستقبلية للشبكة، وليس فقط إلى حجم الطلب الحالي، مشيرًا إلى أن مصر لا تعاني حاليًا من عجز عام في قدرات التوليد، لكن الطلب على الكهرباء مرشح للنمو مع التوسع العمراني والصناعي وزيادة الاستثمارات ومشروعات تحلية المياه ومراكز البيانات.
وأشار إلى ضرورة أن تراعي الدراسات تطور الأحمال حتى عام 2040 وما بعدها، والتوزيع الجغرافي لمراكز الاستهلاك، وقدرات شبكات النقل، واحتياطيات التوليد، ومدى استيعاب الشبكة لمصادر الطاقة المتجددة، ومتطلبات التخزين وتحقيق الاستقرار.
ولفت إلى أن المفاعلات النووية الكبيرة، مثل وحدات محطة الضبعة، تتميز بقدرات إنتاجية مرتفعة وتشغيل مستقر، بينما توفر المفاعلات الصغيرة خيارات أكثر تنوعًا من حيث حجم الوحدة وموقعها وتطبيقاتها، مؤكدًا أن مرونة تشغيل منظومة الكهرباء ترتبط بكفاءة إدارة الشبكة وتكامل مصادر الطاقة والتخزين والتحكم في الأحمال.
المسؤولية القانونية عن الحوادث النووية
وتطرق الوكيل إلى التحديات القانونية المرتبطة بالمحطات النووية العائمة، مستعرضًا مشاركته في مناقشات متخصصة حول مستقبل هذه المحطات خلال اجتماعات الوكالة الدولية للطاقة الذرية في فيينا.
وأوضح أن أحد النماذج التي طُرحت خلال تلك المناقشات كان يقوم على تأجير المحطات النووية العائمة لدول تحتاج إلى قدرات إضافية لتلبية الطلب الموسمي أو ذروة الاستهلاك، مع احتفاظ الشركة المالكة أو المشغلة بالوحدة وتشغيلها.
وأشار إلى أن هذا النموذج يثير تساؤلات قانونية مهمة بشأن تحديد الطرف المسؤول مدنيًا عن الأضرار النووية حال وقوع حادث داخل الدولة المستضيفة، وما إذا كانت المسؤولية تقع على الدولة المستأجرة أم الشركة المالكة والمشغلة.
وأضاف أن هذه المسألة شهدت اختلافًا في وجهات النظر خلال إحدى المناقشات، ما استدعى مشاركة متخصصين من مكتب الشؤون القانونية بالوكالة الدولية للطاقة الذرية لبحثها، مع الإشارة إلى حاجتها لمزيد من الدراسة القانونية.
وأكد أن الاتفاقيات الدولية للمسؤولية المدنية عن الأضرار النووية تقوم على تركيز المسؤولية في مشغل المنشأة النووية، باعتبارها مسؤولية موضوعية وحصرية وفقًا للأحكام والضوابط المنظمة، مشددًا على أهمية تحديد هوية المشغل قانونيًا في نماذج التأجير، والفصل الواضح بين الملكية والتشغيل ودور الدولة المستضيفة، إلى جانب تنظيم التأمين والتعويضات وخطط الطوارئ.
الجدوى الاقتصادية والاعتبارات البيئية
وفيما يتعلق بالجدوى الاقتصادية، أكد الوكيل أن تقييم المحطات النووية العائمة يجب ألا يقتصر على تكلفة إنشاء الوحدة أو سعر الكهرباء المعلن، بل ينبغي أن يشمل التكلفة الكلية طوال العمر التشغيلي، بما في ذلك التمويل والتصنيع والنقل والتركيب والتشغيل والصيانة والوقود وإدارة الوقود المستهلك والنفايات والتأمين وإنهاء الخدمة.
كما لفت إلى أهمية دراسة الاعتبارات البيئية والبحرية، وفي مقدمتها سلامة الرسو والتثبيت والتآكل البحري ومخاطر التصادم والظروف الجوية القاسية وارتفاع الأمواج والفيضانات، فضلًا عن تأثير الحوادث المحتملة على البيئة البحرية والسواحل ومتطلبات الأمن والسلامة وخطط الطوارئ.
وشدد على ضرورة مقارنة المحطات النووية العائمة بالمفاعلات الصغيرة البرية، إلى جانب المفاعلات النووية الكبيرة، للوصول إلى البديل الذي يحقق أفضل توازن بين الاحتياجات الوطنية والجدوى الاقتصادية ومتطلبات الأمان ونقل التكنولوجيا والقيمة المضافة للاقتصاد المصري.
الضبعة ركيزة أساسية للبرنامج النووي المصري
واختتم الوكيل بالتأكيد أن اهتمام مصر بدراسة المفاعلات النووية الصغيرة البرية والعائمة يمثل توجهًا إيجابيًا نحو تنويع مصادر الطاقة والاستفادة من التطور التكنولوجي العالمي، لكنه يتطلب رؤية متكاملة تستهدف بناء القدرات الوطنية وتعظيم مشاركة الصناعة المصرية ونقل المعرفة والتكنولوجيا وضمان أعلى مستويات الأمان والسلامة.
وأوضح أن مشروع محطة الضبعة يظل ركيزة أساسية في البرنامج النووي المصري، وفرصة استراتيجية لبناء الخبرات والقدرات الوطنية التي يمكن البناء عليها عند دراسة خيارات التوسع المستقبلية، سواء بإضافة وحدات نووية كبيرة أو مفاعلات صغيرة معيارية، وفقًا لما تسفر عنه الدراسات الفنية والاقتصادية.
وأكد أن تكنولوجيا الطاقة النووية ليست غاية في حد ذاتها، وإنما وسيلة لتحقيق التنمية المستدامة وتعزيز أمن الطاقة وتعظيم القيمة المضافة للاقتصاد الوطني، وضمان استدامة إمدادات الكهرباء واستقرار تكلفتها على المدى الطويل.
- الضبعة وبطاريات الليثيوم.. فرص جديدة للشراكة الاقتصادية بين مصر وروسيا
- دول الاتحاد الأوروبي تعارض خطة بروكسل لفرض ضرائب على الغاز أعلى من الكهرباء
- وزير الكهرباء يبحث مع سفير الدنمارك تعزيز التعاون في الطاقة المتجددة
- لليوم الثاني.. مؤتمر «دبلوماسية العلوم النووية» يبحث تعزيز التعاون الدولي بالقاهرة
- وزير الكهرباء يبحث مع «EDRA» فرص التعاون في الطاقة المتجددة وتطوير الشبكة






