نسرين سليمان
طرابلس – «القدس العربي»: دخل ملف ما تعرف في ليبيا بـ»الخلية التخريبية» مرحلة جديدة، بعدما أكد مكتب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية تلقيه طلباً ليبياً للمساعدة في التحقيقات المتعلقة بالهجمات التي استهدفت منشآت نفطية وكهربائية في طرابلس والزاوية، في خطوة تنقل القضية من إطار التحقيقات الأمنية والقضائية المحلية إلى مستوى من التعاون مع القضاء الدولي، بينما تؤكد السلطات في طرابلس استمرار احتجاز المتهمين ونفيها وجود أي صفقة للإفراج عنهم.
وبحسب ما أعلنه مكتب المدعي العام للمحكمة، فإن الطلب الليبي حظي بموافقة رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي ورئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة، على أن يجري المكتب تقييماً مستقلاً للوقائع والجرائم الواردة فيه، لتحديد مدى دخولها ضمن الاختصاص القضائي للمحكمة الجنائية الدولية.
ولا يعني تلقي المحكمة الطلب، في هذه المرحلة، فتح قضية دولية بصورة تلقائية أو تبني التوصيف القانوني الذي قدمته السلطات الليبية للوقائع، إذ يتعين أولاً على مكتب المدعي العام فحص الأدلة وطبيعة الأفعال المنسوبة إلى المتهمين ومدى انطباق الجرائم المنصوص عليها في نظام روما الأساسي عليها، قبل تحديد طبيعة الخطوات الممكنة لاحقاً.
وكان المنفي قد أعلن رسمياً في وقت سابق طلب مساعدة المحكمة الجنائية الدولية في التحقيق بالهجمات التي طالت منشآت مدنية وحيوية في طرابلس والزاوية، موضحاً أن الطلب يستهدف الحصول على دعم فني وتقني وقانوني والمساعدة في تحديد المسؤولين عن تلك الهجمات وملاحقتهم.
وأوضح مكتب المدعي العام للمحكمة أنه سينظر في إمكانية ممارسة الاختصاص بشأن الوقائع استناداً إلى الأسس القانونية المتاحة، وبينها إحالة مجلس الأمن للوضع في ليبيا بموجب القرار رقم 1970 الصادر عام 2011، إلى جانب إعلان ليبيا قبول اختصاص المحكمة وفقاً للمادة 12 الفقرة الثالثة من نظام روما الأساسي.
ويعود ارتباط المحكمة الجنائية الدولية بالملف الليبي إلى شباط / فبراير 2011، حين أحال مجلس الأمن الوضع في ليبيا إلى المحكمة بموجب القرار 1970، وهي الإحالة التي منحت المحكمة اختصاصاً بالنظر في الجرائم الدولية الواقعة ضمن نطاقها القانوني منذ منتصف فبراير من العام نفسه. وفي مرحلة لاحقة، وسعت السلطات الليبية أساس التعاون القانوني مع المحكمة عبر إعلان قبول اختصاصها بموجب المادة 12 (3)، وهو ما يشكل أحد الأسس التي سيجري مكتب المدعي العام في ضوئها تقييم الطلب الجديد. وتعود القضية الحالية إلى إعلان حكومة الوحدة الوطنية، في السادس من أيلول / سبتمبر، القبض على خمسة أشخاص قالت إن بينهم ليبيين وأجانب، واتهمتهم بالانتماء إلى خلية منظمة تقف وراء هجمات باستخدام طائرات مسيرة انتحارية استهدفت خزانات للوقود في طرابلس والزاوية ومحطة كهرباء في مدينة الزاوية.
وقالت الحكومة آنذاك إن التحقيقات كشفت أيضاً عن مخططات أخرى كان يجري الإعداد لها لاستهداف منشآت حيوية وشخصيات سياسية وعسكرية وأمنية، وهو ما دفع القضية إلى صدارة الملف الأمني خلال الأسابيع الماضية، خصوصاً مع ارتباط الهجمات بمنشآت تمس إمدادات الوقود وإنتاج الكهرباء بصورة مباشرة.
وفي موازاة التحرك نحو المحكمة الجنائية الدولية، برز خلال الأيام الماضية جدل بشأن مصير الموقوفين، بعد تداول معلومات غير مؤكدة تحدثت عن احتمال الإفراج عنهم أو التوصل إلى تفاهم بشأن القضية.
غير أن وكيل وزارة الدفاع بحكومة الوحدة الوطنية، عبد السلام الزوبي، نفى تلك المعلومات، مؤكداً، وفق ما نقل عنه إعلام محلي، عدم الإفراج عن عناصر الخلية وعدم وجود أي صفقة لإطلاق سراحهم، وقال إن التحقيقات معهم لا تزال مستمرة، وإن نتائجها ستعلن عقب استكمال الإجراءات.
كما سبق لوزارة الدفاع أن أكدت استمرار التحقيقات بهدف تحديد جميع المتورطين والجهات المرتبطة بالخلية، ونفت وجود توجه للتفاوض بشأن القضية، متعهدة بإعلان النتائج للرأي العام بعد استكمال التحقيقات.
ويمنح دخول المحكمة الجنائية الدولية على خط القضية التحقيقات بعداً إضافياً، خصوصاً فيما يتعلق بفحص الأدلة الفنية المرتبطة باستخدام الطائرات المسيرة، وتحديد تسلسل المسؤولية عن التخطيط والتنفيذ والتمويل أو تقديم الدعم، إلا أن حدود مشاركة المحكمة ستظل مرتبطة بنتيجة تقييم مكتب المدعي العام لاختصاصها وطبيعة الجرائم التي يمكن أن تدخل ضمن ولايتها.
وأكد المكتب أنه سينسق مع سفارة ليبيا لدى هولندا للحصول على مزيد من التفاصيل المتعلقة بالطلب وتحديد أوجه المساعدة الممكن تقديمها، مع التشديد على أن أي دعم سيكون في نطاق ولاية المحكمة والموارد المتاحة لها.
وبذلك يتحول ملف «الخلية التخريبية» تدريجياً من قضية أمنية مرتبطة بهجمات على منشآت داخل طرابلس والزاوية إلى ملف ذي مسار قانوني أوسع، يجمع بين التحقيق المحلي والتعاون مع المحكمة الجنائية الدولية، فيما تبقى النتائج النهائية مرتبطة بما ستكشفه التحقيقات والأدلة بشأن هوية المسؤولين عن الهجمات والجهات التي تقف خلفهم، وما إذا كانت الوقائع تستوفي المعايير القانونية اللازمة لانتقالها من مستوى المساعدة الفنية إلى تحقيق ضمن اختصاص المحكمة الدولية.

















0 تعليق