منذ فترة، شاعت كليشيه مستهلكة: «أوقات مثيرة للاهتمام». لا أذكر أنني حظيت يوماً بمتعة عيش يوم واحد غير مثير للاهتمام في ربوع بلاد الشام هذه، لكننا، ومع ذلك، تجاوزنا اليوم حدود «المثير للاهتمام» بأشواط. وحين أقول «نحن»، فإن مخيلتي ترى الأرض برمّتها.
إنه زمن حرب ومذابح في مكانين «لهما وزن»: الشرق الأوسط وأوروبا. والطابع المفصلي لسفك الدماء في بلاد الشام يحمل في طياته ذلك الامتداد المروّع للصدمة المجتمعية، وموت البراءة المتجسدة في صورة طفل، ووأد فرص الانبعاث الجديد المتمثّلةً في المستقبل، سواء لمن يُذبَحون ولمن يَذبَحون، أو لإعطاء الدقة في التعبير حقها، أولئك الذين يقع عليهم العبء الأكبر من الموت، وأولئك الذين يقع على أيديهم معظم القتل. أما الصراعات في الخليج وأوروبا، فتشير إلى إعادة رسم الخرائط، وإعادة صياغة تحالفات كان يُنظر إليها يوماً على أنها أبدية وثابتة.
وهذا أيضاً زمن ذبح ونهب في أماكن كثيرة كان ينبغي أن تحظى بالاهتمام، لكنها توارت عن الأنظار: السودان، الكونغو، نيجيريا، مالي، الصومال، إثيوبيا، وهايتي… وما تنذر به المجازر هناك لا يقل جسامةً عما تنذر به في أماكن أقرب إلى هذه الشواطئ. نقاتل ولا نكاد نعرف هدنةً، ولا نزال نسعى وراء تطلعات تلوّح لنا كالأحلام، فيما نفكر في ما يستعصي على التفكير: التهديدان المتلازمان، كارثة المناخ وفناء البشر على يد الذكاء الاصطناعي. وكلاهما ليس مجرد خطرٍ يلوح في الأفق البعيد. نصارع معاناة لا تُقاس، فيما نقاوم، عبر البلدان والمحيطات، طبقات إبستين المنغمسة في تجاوزات كاليغولية وموبقات العصر الحديث. تجسد شهادة كاش باتيل الأخيرة أمام مجلس الشيوخ الأمريكي بوضوح تام، ذلك التناقض الحاد بين شبح هرمجدون ومشهد العبث في قمة هرم السلطة لأكثر قوى العالم تأثيراً. ففي لحظة شديدة الخطورة، طُلب من رئيس مكتب التحقيقات الفيدرالي، الوكالة المكلّفة بالحفاظ على أمن أمريكا، أن يشرح سبب إلغاء شرط استبعاد المتقدمين للعمل في المكتب، إذا ثبت تورطهم في ممارسة الجنس مع الحيوانات. وكان من السهل صرف النظر عن مثل هذا السَّفَه باعتباره شذوذاً مؤسفاً. لو كانت حال البلاد، في ما عدا ذلك، تبعث على الاطمئنان. وحين يشخّص المؤرخ تيموثي سنايدر السلوك الأمريكي بأنه «انتحار قوة عظمى»، فباتيل ليس سوى جزء صغير من الأدلة على ذلك. ولم يكن سنايدر، بهذه العبارة الافتتاحية لمقاله الذي نشرته «بروجيكت سنديكيت» في مايو، سوى تمهيد للمشهد:
نحن أكثر رعايا الإمبراطورية عُرضةً للمخاطر وأقلهم قدرة على حماية أنفسهم. قد يبعث على شيء من العزاء أن الكنديين والبريطانيين والدنماركيين، مثلاً، باتوا يشاطروننا بعض مواطن ضعفنا
تنفق الولايات المتحدة مليارات الدولارات كي تخسر حرباً في إيران تُثري الأوليغارشيين فيها، وتُفقر مواطنيها، وتقوّض تحالفاتها، وتقوّي أعداءها. وكان لصديقتي الأمريكية، وهي كاتبة تقيم في واشنطن العاصمة، هذا التعليق فيما كنت أستغرق في التفكير في مأزقنا: لم يعد ثمة «أنتم» و«نحن». لدينا مياه مشعّة تهدد إمدادات المياه في ولاية أوهايو، وتفشٍّ للحصبة قد يكون بداية وباء، ودين يبلغ 40 تريليون دولار، وآلات الذكاء الاصطناعي التي قد تكتسحنا قريباً. ولدينا رئيس يريد أن يبني قاعات رقص وأقواساً، وأن يهدم مركز كينيدي إن لم يحمل اسمه، وأن يجني الكثير من المال، فيما يستقوي علينا وعلى العالم. لا يمكنك اختلاق هراء كهذا. لم يعد ثمة «أنتم» و»نحن».
قد يبدو غريباً أنني اخترت أن أبدأ مقالي بمشاهد صاخبة وفوضوية تدور في أصقاع بعيدة، فيما بلادنا نفسها مسرح لسلوكيات فاضحة. ألتفت إلى الولايات المتحدة لأسباب بديهية. يقلقني كثيراً حالنا في المنطقة حين تكون أمريكا في كامل وعيها ومدركة تماماً لمقاصدها؛ ويرعبني حالنا حين تكون أمريكا مختلة بوضوح. نحن، في هذا الجانب غير الغربي من العالم، أكثر رعايا الإمبراطورية عُرضةً للمخاطر وأقلهم قدرة على حماية أنفسهم. قد يبعث على شيء من العزاء أن الكنديين والبريطانيين والدنماركيين، مثلاً، باتوا يشاطروننا بعض مواطن ضعفنا، لكن الأثمان التي ندفعها لقاء نزوات الإمبراطورية وانحرافاتها مذهلة. يكفيني أن أذكر «مجلس السلام في غزة»، المُنشأ على نحو عبثي شاذ، والذي يعمل رهن هوى دونالد ترامب وتحت سيطرته المطلقة، وإلى الأبد، وهكذا يُرغِم فلسطينيي غزة، البالغ عدد من تبقّى منهم ما لا يقل عن مليوني نسمة، على العيش في رقعة من الأرض تتقلص باستمرار، وتقل مساحتها عن 146 كيلومتراً مربعاً، في شبه ظلال الإبادة الإسرائيلية، ورؤى ترامب الوهمية الجامحة لمملكة مطليّة بالذهب ومغلّفة بالزجاج.
وفيما هم يعيشون على هذا النحو، نعلم أن الجيش الإسرائيلي سحق وأزال 10 ملايين طن من أنقاض «الحرب»، بما فيها الأدلة والرفات البشرية وكل ما عداها. وإحدى وجهات هذه الأنقاض هي إسرائيل نفسها. أما ما تريد أن تفعله بها فلا يزال مجهولاً. وبعد كل هذا، أيُلام خيالنا إن ذهب إلى ما لا يخطر على بال؟ هل تظن الدولة اليهودية أنها تستطيع، بضربة واحدة، أن تطحن الجثامين والسجل المادي لجرائم حربها، ثم تعجنهما في هياكل كابوس جاريد كوشنر المبني على رفات الموتى؟ لكن هل هو حقاً مما لا يمكن تخيّله؟ ففي غضون عامين، وعلى رقعة محاصرة لا تتجاوز مساحتها 365 كيلومتراً مربعاً، «أُلقي أكثر من 200 ألف طن من المتفجرات، بما يعادل إجمالي طاقة نحو 13 قنبلة نووية من طراز قنبلة هيروشيما». وقد أتاحت أنظمة استهداف جديدة مدعومة بالذكاء الاصطناعي القتل على نطاق صناعي، في عصر تخلّى عملياً عن كل الضوابط الأخلاقية والقانونية. أنظمة تحمل أسماء تقشعر لها الأبدان مثل «لافندر» (Lavender) و»الإنجيل» (The Gospel) و»أين أبي؟» (Where’s Daddy؟). وهي أنظمة – كما كشف الفيلم الوثائقي «نازا» (NAZA)- تُشغّلها وحدات النخبة الإسرائيلية، لا جنود مارقون مسكونون بهوس ديني. حين يتعلق الأمر بإسرائيل، لم يعد ثمة ما يستعصي على التصديق. وتحفّ بهذا المشهد الديستوبي (القاتم) دلائل شتى على طبيعته. نسمع أن عضو المجلس توني بلير، وبتعليمات من الإدارة الأمريكية أبلغ محمود عباس، رئيس السلطة الفلسطينية، أنه لكي يؤخذ على محمل الجد، عليه أن يحذف فلسطين من المناهج الدراسية. ونرى وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير ينشر فيديو مولّداً بالذكاء الاصطناعي يُظهر أسرى فلسطينيين يُخضعون لمعاملة تحاكي، بصورة مفزعة، أساليب معسكرات الاعتقال في ألمانيا النازية. ونشاهد بتسلئيل سموتريتش، وزير المالية الإسرائيلي، يعبّر في بودكاست عن إحباطه من الغرب لعدم مساعدته في الطرد الجماعي لأهل غزة: «لو كانت كل دولة أوروبية مستعدة لاستقبال ما بين 20 و30 ألفاً من أهل غزة، لانتهت هذه القصة برمتها». ونستمع إلى عضو الكنيست حانوخ ميلفيدسكي، القيادي في حزب الليكود ورئيس لجنة المالية في الكنيست، والمتهم بالاغتصاب، وهو يشرح لماذا يعتقد هو وكثير من مواطنيه أن اليهود غير ملزمين بقوانين البشر: «لسنا مثل الآخرين، ولهذا فإن كل القوانين التي تنطبق على الآخرين لا تنطبق علينا… الشعب اليهودي وُلد شعباً أسمى».
أما مسرح هذه المشهد المروع، فشذرتان صغيرتان متقشفتان من فلسطين. وهكذا هو حال جزء كبير من جنوب لبنان. لا عزاء له في دولة بائسة، ولا حماية من مقاومة مشلولة ولا رحمة من عدو لا يرحم. ويُقال لنا إن الأمريكيين والإسرائيليين وضعوا المسدس على رؤوسنا خلال المفاوضات في واشنطن: إما التوقيع على الخط المنقّط لاتفاق إطاري عقابي إلى حد لا يُغتفر، وإما أن يمتد إلى بيروت نفسها نهج غزة التدميري الذي أُطلق عنانه في الجنوب. وهذا، بالطبع، يطرح سؤالاً موجعاً: هل كنا إذن أمام ما يعرف بـ»خيار صوفي» Sophie’s Choice؟ بين بيروت والجنوب، اخترنا بيروت، ونحن ندرك تماماً ما أدركته صوفي حين قيل لها على منصة الانتقاء في أوشفيتز عام 1943: أنقذي واحداً من طفليك، وإلا ذهب الاثنان. فتخلّت عن ابنتها لتنقذ ابنها. لا أزعم أنني أعرف حقاً وطأة ما خسره أهل الجنوب. فجذور عائلتي هناك اهترأت حتى لم يبقَ منها إلا خيوط واهنة تصلنا بعالم كان. تعيش في صور أكل منها الزمن، لشباب وضحك ورفقة على شرفات قديمة. وتعيش في عالم انقضى، تعيده أمي إلى الحياة من حين إلى آخر بذكريات لا تزال نابضة في ذهنها. وتكاد لا تزال حاضرة في بيت جديّ في النبطية، المهجور منذ عقود. بلغنا مؤخراً أن جدرانه ما زالت قائمة. لكن ما أعرفه، كلبنانية، هو أننا أمام محنة تنذر بكل ملامح أزمة وجودية.
وإذا كانت الحكومة متنبّهة إلى الاحتمالات القاتمة، فهي بارعة على نحو لافت في إخفاء يقظتها. فقد طبخت للتو منظومة النخب الحاكمة التي تمسك بزمامها قانون عفو عام، يمحو، كما تبيّن المفكرة القانونية، سجلاً لا يُحصى من فسادها، مثلما محا قانون العفو الذي سبقه عام 1991 سجل جرائم الحرب التي ارتكبتها. وليس هذا سوى واحد من «إنجازات» القانون الفادحة. وقريباً سيبتّ المجلس الدستوري في الطعن المقدّم أمامه. نحن جميعاً في هذا المأزق معاً. وفي مكان ما داخل هذا الواقع تكمن رسالة أمل.
كاتبة لبنانية
















0 تعليق