الأردن والخيار الاستراتيجي «الواحد»

منذ 59 دقيقة

نستذكر في هذه اللحظات الحرجة مقولة الراحل السياسي الكبير رحمه الله زيد الرفاعي بإحدى محاضراته الشهيرة لنخبة من العسكريين .. «وضع القيادة -أي قيادة- أمام خيار استراتيجي واحد في القضايا الأساسية والكبيرة يرقى إلى مستوى الخيانة».
ما نفهمه ضمنا من مقولة ارتبطت برجل صنف مبكرا باعتباره مدرسة سياسية مستقلة في الأردن الحديث أن تنوع وتعدد الخيارات الاستراتيجية التي تضعها بين يدي القرار المؤسسات والأجهزة الاستشارية مسار يعبر عن الولاء والوفاء الحقيقيين.
نفهم أن تلك مهمة صعبة لأن الأحزاب السياسية ضربت في مقتل مبكرا والنقابات المهنية خضعت إما للتجريف أو التجويف والانتخابات البرلمانية عدة مرات شابها التدخل والسطو على هيبة ودور مجلس النواب بقي درب سهل للحكومات.
تلك مهمة صعبة الآن عندما يتعلق الأمر بتنويع الخيارات الاستراتيجية لأن حريات الإعلام إما تقلصت أو تراجعت أو تخضع للهندسة.
ولأن كلمة المواطنين بالعادة لم تعد تسمعها الحكومات والنخب الوطنية بما في ذلك طبقة من رجال الدولة المخضرمين، إما لوحقت أحيانا أو تم تهميشها في غالب الأحيان.
الوقائع على صعيد الاشتباك مع المؤامرة الإسرائيلية على الأردن حصرا تشير إلى أن المصارحات الشفافة مع أهل الخبرة والمسؤولية الوطنية من غير المستوزرين وطلاب المناصب ساهمت في تكوين شكل الثوابت الأردنية الأخيرة المعلنة.
لا نذيع سرا هنا إذا قلنا: الإصغاء لشخصيات وطنية مقدرة زاهدة في الأضواء والامتيازات منذ عدة أسابيع انتهى بوضع مركز القرار والدولة أمام عدة خيارات استراتيجية.
المصارحة هنا والجرأة على قول الحقيقة بدون مكياجات كانت مفيدة ومثمرة وطنيا باتجاهين مرصودين على الأقل يتمثلان أولا في محاولة الإجابة على سؤال: ما الذي ينبغي أن تفعله البلاد للاستثمار اقتصاديا في الظرف الإقليمي الراهن؟
وثانيا في فهم وقائع المؤامرة الإسرائيلية الميدانية على الأمن المائي الأردني.
ما حصل في المسألتين دليل على فعالية التعافي عندما تناقش القضايا والاحتياجات والتحديات بشفافية.
ذلك مدعاة في الواقع لتذكير الصف الرسمي بأن الإصغاء لأصحاب الخبرة الزاهدين بالمزاحمة ليس عيبا لا بل خطوة إنتاجية مفيدة تصب في الموقع الذي تحدث عنه الرفاعي الراحل عندما اعتبر أن أسوأ السيناريوهات هي تلك التي تضع في الاجتهاد أمام مركز القرار خيارا استراتيجيا أحاديا.

إعادة الاعتبار للشخصيات والزعامات الوطنية القديمة صاحبة الخبرة العميقة ثم إعادة الاعتبار لمنهجية الانفتاح والإصغاء لآراء متعددة

ثمة قيمة لا يعلم بها إلا من رحم ربي من كبار أصحاب الخبرة للمصارحة والشفافية وتنويع الخيارات بعيدا عن رتابة التقدير الحكومي عن الشللية التي تفتك أحيانا بالمواقع والوظائف.
وطبعا بعيدا عن نميمة الصالونات والمراهقين السياسيين والبيروقراطيين الذين لا يؤمنون بالرأي الآخر أصلا ولا يريدون تكلف عناء احترام قيمة التعددية ويحتفظون فقط بتصورات معلبة ترتفع وتنخفض بناء على الأهواء الشخصية.
الظروف الخاصة والعامة والتي عبرت عنها مؤخرا عناصر الاشتباك مع الرواية الإسرائيلية بوضوح تتطلب لتعزيز الصمود وتصليب الجبهة الداخلية خطوات وإجراءات باتت مكشوفة.
ولا مجال للاجتهاد فيها قد يكون أهمها إعادة الاعتبار للشخصيات والزعامات الوطنية القديمة صاحبة الخبرة العميقة ثم إعادة الاعتبار لمنهجية الانفتاح والإصغاء لآراء متعددة.
الأردن في إدارة المشهد الداخلي لا يحتاج فقط لأدوات جديدة ومختلفة تتحرك بعيدا عن الأفكار المعلبة بل إلى معالجة جوهر أزمة الأدوات حيث الحروب والمعارك والمواجهات تخاض بأدوات تمتلك القدرة أصلا على خوض المعارك حتى تكسب الدولة وتنتصر القيمة الأردنية النبيلة.
تحقيق الفوز وطنيا يحتاج وبإلحاح إلى تكريس مبدأ العودة إلى الداخل والنخب التي تخشى ذلك وكلفته عليها احترام الاحتياج الوطني الملح مرحليا والتوقف عن لعبة تضليل دوائر القرار بمعنى إطلاق الطاقات الكامنة وتجديد الأدوات حقا لا قولا والإعلاء وفورا من شأن وقيمة الإصغاء خصوصا لمن لا يريدون وظيفة ولا يبحثون عن امتيازات.
هؤلاء نزعم أنهم كثيرون جدا في الإيقاع الوطني وإن كانت كلمتهم مهمشة أو لا يستمع لها.
لا بد لتحقيق عودة سريعة وآمنة للداخل الوطني الأردني من دفع بعض الكلفة.
المعنى هنا ضخ الدماء في أروقة النقاش والحوار الوطني الصريح وإعادة تحشيد قوى ومراكز المجتمع خلف رواية الثابت المرجعي وحسابات الدولة.
الوصول إلى تلك المحطة لا يتطلب فقط مصارحات لا بل مصالحات ومصافحات تفتح صفحة جديدة نحو التعافي والبراءة من مظاهر الخلل والمرض.
الأردن الأقوى والأقدر على الالتزام بالأجندة المرجعية المعلنة هو الأردن الديمقراطي والخالي تماما من أجندات الأفراد والشللية والذي يعمل من أجل مصلحته المؤمنون وليس المقلدين والأدعياء وطلاب المواقع.
الأردن الأقوى هو البلد الذي ترتفع فيه قيمة وأدوار السلطة التشريعية وتحترم إرادة الناس في صندوق الانتخابات ويسمح فيه للأحزاب بالانطلاق حقا بدون تحويلها إلى أحزاب أنابيب أو مؤسسات حزبية اجتماعية فقط لا علاقة لها بالسياسة أو تنتمي لشريحة الاحتياجات الخاصة.

٭ إعلامي أردني من أسرة «القدس العربي»

✎

فريق تحرير مصري فور نيوز

فريق التحرير في مصري فور نيوز — نتابع الخبر من مصادره ونقدّمه لك محرَّراً ومراجَعاً على مدار الساعة.

أخبار ذات صلة

0 تعليق