الناصرة- “القدس العربي”: يواصل تصريح رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو في الليلة الفائتة حول “مؤشرات على محاولة أعدائنا مهاجمتنا عشية الانتخابات” أصداء وردود فعل وسط محاولات من قبل المعارضة والمؤسسة العسكرية والأمنية التشكيك ورش الماء البارد على محاولته التسخين وإنتاج أجواء توتر وطوارئ.
وقالت صحيفة “هآرتس” العبرية إن المؤسسة الأمنية تتحاشى الانجرار للملعب السياسي وللتراشق بين الأحزاب، ولذا فهي تمتنع حتى الآن عن التعقيب رسميا على تحذير نتنياهو المتلفز.
وتتابع الصحيفة: “إضافة لذلك تبدي جهات أمنية مختلفة حذرا وتفضل عدم الإدلاء بتصريحات من شأنها أن تفسر كمناكفة مع المستوى السياسي”.
ونقلت مصادر إعلامية عبرية عن جهات في جيش الاحتلال قولها إن بيان نتنياهو لا يعكس أي تغيير في الموقف ولا يقر بأي استعدادات خاصة تتجاوز المعتاد. وتوضح هذه المصادر لموقع “واينت” العبري أنه منذ وقف إطلاق النار في إيران، تم تحديث قائمة الأهداف في سلاح الجو وشعبة الاستخبارات، وفي الوقت نفسه تم الحفاظ على تواصل وثيق ومباشر وأكثر فعالية من أي وقت مضى مع الجيش الأمريكي، كجزء من الاستعدادات لسيناريوهات دفاعية وهجومية مختلفة.
عشية الذكرى الثالثة للسابع من أكتوبر، أوضحت مصادر عبرية أن الجيش أجرى مؤخرا تغييرات عملياتية وسلسلة من التدريبات على مختلف الحدود بهدف إعداد رد مناسب في حال وقوع هجوم بري
إضافة إلى ذلك، وعشية الذكرى الثالثة للسابع من أكتوبر، أوضحت المصادر المذكورة أن الجيش أجرى مؤخرا تغييرات عملياتية وسلسلة من التدريبات على مختلف الحدود بهدف إعداد رد مناسب في حال وقوع هجوم بري. وبعكس روح مزاعم نتنياهو، يضيف “واينت”: “رغم حالة التأهب العامة، تراجعت قوات الجيش الإسرائيلي في قطاعات مختلفة بطرق متنوعة، شملت، من بين أمور أخرى، تقليص القوات على الحدود اللبنانية وتوجيه الجهد الرئيسي الآن نحو الضفة الغربية. وفي القواعد التي سمح بها تقييم الوضع، تم منح الجنود إجازات العطلات. في الوقت نفسه، لم تغير قيادة الجبهة الداخلية التعليمات الموجهة للجمهور ولم تصدر أي بيانات حول تطورات تتطلب استعدادات خاصة”.
ويؤكد “واينت” أن تصريح نتنياهو الذي أثار مخاوف في الشارع الإسرائيلي يصطدم بتشكيك المؤسسة الأمنية أيضا، ويقول إنها تنظر بنظرة أكثر اعتدالا، فترى أن تقييمات الوضع تجري باستمرار في ظل احتمالات انتقام إيراني عشية انتخابات الكنيست ويتم “تحديثها” يوميا. المؤسسة الأمنية تستعد لسيناريوهات تصعيد، ولكن لا توجد إنذارات حقيقية محددة أو تهديد حقيقي.
نقل مكان الاجتماع الأمني
ومما زاد من حالة القلق والانشغال الإعلامي والسياسي بتصريح نتنياهو نقل اجتماع أمني محدد لليلة الفائتة منذ أسبوع من مقر رئاسة الوزراء لمكان سري، كما حصل عشية شن حرب “زئير الأسد” على إيران نهاية شباط الماضي. بيد أن نتنياهو بادر لإطلاع رئيس المعارضة يائير لبيد، كما يقتضي القانون الإسرائيلي بمثل هذه الحالة، داخل مكاتب رئاسة الوزراء وليس في مكان سري.
في ختام الاجتماع بعد منتصف الليل، قال لبيد إن الاجتماع مع نتنياهو استمر نحو نصف ساعة، ووجه انتقاداته للأخير بالتشديد على أن التهديدات الأمنية ينبغي أن تعالج بشكل مهني ومسؤول، وأن أمن إسرائيل وقواعد الجيش ليست جزءا من “ديكور” فيديوهات انتخابية.
وتابع لبيد: “دون الخوض بالتفاصيل، الجيش والشاباك والشرطة جاهزون للانتخابات العامة ولا سبب لإدخال الجمهور في حالة ذعر. قائد الجيش سبق ورفع عشر رايات حمراء محذرا من النقص بعدد الجنود ومن تآكل القوات العسكرية وإرهاقها. إذا كان نتنياهو قلقا لهذا الحد من الحالة الأمنية، فعليه تجنيد 15 ألف جندي من اليهود الحريديم المتهربين من الخدمة العسكرية بذريعة دراسة التوراة”.
وكشف لبيد في تصريحات إعلامية أنه طلب من نتنياهو “اجتماعا رباعيا معه بمشاركة رئيس الشاباك المسؤول قانونيا عن حماية الديمقراطية، ورئيس لجنة الانتخابات المركزية القاضي نوعم سولبيرغ من أجل التثبت من أننا جاهزون وعلى تنسيق عشية الانتخابات في 27 أكتوبر 2026”.
الليكود يهاجم لبيد
ونقلت وسائل إعلام عبرية عن مقربين من لبيد قولهم إنه بناء على ما سمعه من نتنياهو ليس هناك سبب لتحذيراته من محاولة أعداء إسرائيل مهاجمتها قبيل الانتخابات العامة.
نقلت وسائل إعلام عبرية عن مقربين من لبيد قولهم إنه بناء على ما سمعه من نتنياهو ليس هناك سبب لتحذيراته من محاولة أعداء إسرائيل مهاجمتها قبيل الانتخابات العامة
في المقابل، قال مكتب نتنياهو ليلة أمس إن نتنياهو أنهى اجتماعا أمنيا مع رئيس المعارضة بمشاركة سكرتيره العسكري، منوها إلى أنه خلال الإحاطة الأمنية للبيد تم عرض تفاصيل خاصة بتحذيرات من هجمات عدائية ممكنة في الجبهات المختلفة عشية الانتخابات للكنيست.
وشن حزب نتنياهو “الليكود” هجوما على لبيد بعد تصريحاته المذكورة بقوله إنه خرج من اللقاء مع رئيس الوزراء وبعد دقيقتين نشر بيانا سياسيا كله هجوم على نتنياهو، وتابع “الليكود”: “إما أنه يكتب بسرعة الضوء أو أن البيان قد تم إعداده سلفا دون علاقة لفحوى الإحاطة الأمنية”.
المكان والزمان
ولم يكن اختيار نتنياهو مكان وزمان هذا التصريح صدفة، فقد بادر لتصوير نفسه أمام طائرة عسكرية داخل قاعدة “تل نوف” العسكرية القائمة على بلدة عاقر الفلسطينية المهجّرة من قرى الرملة التي احتلت عام 1948. أما الزمان فهو قبل الانتخابات للكنيست بأقل من شهر، ويرتبط بحسابات غير أمنية تتمثل بمواصلة محاولات إنتاج أجواء أمنية متوترة وطوارئ، فهذا ربما يصب الماء على طاحونة نتنياهو الدعائية الانتخابية وينقذه من حالة التراجع والضعف، كما ينعكس في كل الاستطلاعات.
نتنياهو الذي طالما قال إنه “تشرتشل الإسرائيلي” بعث عمليا رسالة للإسرائيليين مفادها أن إسرائيل في خطر وأنتم في خطر، وأن هناك أعداء لا عدوا واحدا في الخارج، و”ما لكم غير الله وأنا”. استخدم نتنياهو في الأمس فزاعة أمنية كما فعل في جولات انتخابية سابقة لترهيب الإسرائيليين ودفعهم للاصطفاف خلفه بصفته المدافع الحامي القادر الوحيد.
كما لا تخلو “الفزاعة” الجديدة من محاولة صرف أنظار الإسرائيليين عن تغيير الأجندة عن “طوفان الأقصى” وعن ما جرى خلال السابع من أكتوبر حتى اليوم.
كما أن تصريحه الأمني يبدو كبداية تطبيع فكرة إلغاء الانتخابات باسم الأمن، وهذا أحد دوافع إطلاق العنان للجيش وللمستوطنين والإرهاب اليهودي ضد الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية، فالأحداث والأجواء الأمنية طالما خدمت مرشحي اليمين الصهيوني عشية يوم الانتخابات في إسرائيل. من الأمثلة على ذلك والماثلة -لا بد- في وعي وذاكرة نتنياهو انتخابات الكنيست عام 1988، عندما خسر مرشح حزب “العمل” شيميون بيريز لصالح مرشح “الليكود” إسحق شامير، بعد عملية فلسطينية قتلت فيها مستوطنة وأطفالها الثلاثة داخل حافلة كانت تسير من طبرية إلى القدس، مما أدى لشحن الأجواء وارتفاع منسوب التوتر بما يتلاءم مع حملة “الليكود” التي هوّشت اليهود على العرب.

















0 تعليق