الرجل الذي عاد إلى البحر بحثاً عن ساقه!

منذ 2 ساعة

كان يسبح، ربما لم يكن يفكر في شيء أبعد من الموجة التالية، من الماء الذي يمرّ على كتفيه، من تلك المسافة الصغيرة بين جسد الإنسان والبحر حين ينسى الأول أنه مخلوق من تراب، ويصدّق للحظات أنه يستطيع أن يكون سمكة. ثم جاء القارب، لا أعرف كم تحتاج الكارثة من الوقت كي تقع. ثانية؟ أقل من ثانية؟ لحظة واحدة كان فيها الرجل كاملاً، وفي اللحظة التالية كان ينظر إلى جسده فلا يجده كما عرفه طوال حياته.
مروحة قارب قطعت ساقه. جملة قصيرة كهذه يمكن أن تكتب في سطر، لكن كم من الألم يتسع له هذا السطر؟ خرج الرجل من الماء. تخيّلوا فقط هذه اللحظة. رجل ينزف، مصدوم، جسده لم يستوعب بعد ما جرى له، وعيناه تبحثان عن جزء منه لم يعد معه. كان يمكن أن يستلقي على الشاطئ ويصرخ. كان يمكن أن ينتظر سيارة الإسعاف. كان يملك كل الحق في العالم أن يكون ضعيفاً، منهاراً، خائفاً، فالإنسان حين يفقد ساقه لا يطلب منه أن يكون بطلاً. يكفيه أن يبقى حيّاً.
لكن هذا الرجل فعل شيئاً لا أعرف كيف يمكن تفسيره إلا في تلك القوة الغامضة التي تظهر أحياناً في الإنسان حين لا يبقى لديه شيء يعتمد عليه سوى نفسه. نظر إلى البحر. وكان يعرف أن ساقه ما زالت هناك. في مكان ما تحت الماء الذي خرج منه للتو. فعاد. نعم، عاد إلى البحر بساق واحدة ليبحث عن ساقه الأخرى. وهنا، بالنسبة إليّ، تتوقف الحكاية عن كونها خبراً طبياً. هنا تبدأ الحكاية الحقيقية، لأننا نتحدث كثيراً عن القوة حين نكون آمنين. نكتب عنها، ننصح الآخرين بها، نقول لمن يتألم: قاوم، لا تستسلم، انهض. لكن أن تنهض وأنت لا تملك ساقاً لتنهض عليها، فتلك مسألة أخرى. أن تعود إلى المكان الذي آذاك، إلى البحر الذي خرجت منه قبل دقائق ناقصاً جزءاً من جسدك، وأن تبحث في مياهه عمّا أخذه منك، فهذه ليست شجاعة عادية. إنها غريزة الحياة حين تتحول إلى فعل.
وصل الإسعاف ونقل الرجل إلى المستشفى، وجاء فريق من الغواصين ليواصل المهمة. غاصوا في البحر، بحثوا في أعماقه، حتى عثروا على الساق المقطوعة. ثم بدأت معركة أخرى. هذه المرة لم تكن في البحر، إنما داخل غرفة العمليات. أطباء أردنيون أمام جسد مصاب، أمام الوقت الذي لا يرحم، أمام أعصاب وأوعية دموية وعظام وأنسجة يجب أن تعود لتتصل بما انفصل عنها. ست ساعات من الجراحة، ست ساعات بين احتمال الفقد واحتمال الاستعادة، وفي النهاية نجح الفريق الطبي في إعادة الساق إلى مكانها. إنجاز طبي كبير بلا شك، وأيد تستحق الاحترام، وأطباء يستحقون كل كلمة ثناء في العالم. فأن تستطيع المعرفة البشرية أن تعيد إلى الجسد جزءاً قطع منه، هو واحد من تلك الانتصارات التي تجعلنا ندرك إلى أي مدى وصل الطب، وكم من المعجزات الصغيرة تحدث كل يوم تحت أضواء غرف العمليات بعيداً عن أعيننا.
لكنني، وأنا أقرأ الخبر، لم أتوقف طويلاً عند غرفة العمليات. بقيت عالقة عند البحر. عند تلك اللحظة تحديداً. رجل خرج من الماء وقد فقد ساقه، ثم استدار وعاد إليه. هناك، بالنسبة إليّ، ولدت المعجزة الأولى. قبل أن يمسك الجرّاح مشرطه، قبل أن يصل الغواصون، قبل أن تبدأ الساعات الست، كان هناك رجل قرر، في أشد لحظات ضعفه، ألا يترك جزءاً منه خلفه.

حين تتسع الحكاية
لتشمل وطناً

ربما لهذا السبب قادتني الحكاية، رغماً عني، إلى غزة. إلى ذلك المعنى القاسي للفقد، حين لا يعود حادثاً فردياً عابراً، إنما يصبح جزءاً من حياة أناس كثيرين؛ أطفال ومدنيون يستيقظ بعضهم ليجد أن جسده لم يعد كما كان، وأن عليه أن يتعلم الحياة من جديد، بقدم أقل، بيد أقل، وربما ببيت أقل، وعائلة أقل، وذاكرة أثقل. هناك من لا يملك رفاهية الغواص الذي يعيد إليه الجزء المفقود، ولا غرفة عمليات كاملة تنتظره بعد دقائق، ولا طريقاً آمناً ومفتوحاً بين الإصابة والعلاج.
وهنا تصبح قصة الرجل الذي عاد إلى البحر أكثر إيلاماً، وأكثر جمالاً في الوقت نفسه، لأنها تذكّرنا بأن الإنسان، حين يؤخذ منه شيء، يحاول بفطرة غريبة أن يعود إليه. يبحث عن ساقه، عن بيته، عن لعبته تحت الركام، عن صورة أمه، عن مفتاح باب لم يعد له باب، عن حياته كما كانت قبل أن يمر فوقها كل هذا الخراب.
نحن جميعاً، بطريقة أو أخرى، نفقد أشياء منا في الحياة. لا تكون دائماً ساقاً. أحياناً نفقد حلماً، حباً، وطناً، شخصاً، سنوات، ثقة، نسخة قديمة من أنفسنا كنا نحبها. ونخرج من التجربة ونحن نعتقد أن المطلوب منا فقط أن ننجو. لكن بعض الناس يفعلون أكثر من النجاة. يعودون. يعودون إلى المكان الذي جرحهم ليستعيدوا ما يستطيعون استعادته من أنفسهم.
ذلك الرجل لم يكن يعرف، وهو يعود إلى الماء، إن كان الأطباء سينجحون. لم تكن لديه ضمانات. لم يكن يعرف إن كانت ساقه سيُعثر عليها أصلاً. ومع ذلك عاد يبحث عنها. وربما البطولة ليست أن تعرف أنك ستنتصر. ربما البطولة أن تتحرك فيما لا تعرف النتيجة، أن تحفر في ضعفك حتى تعثر، في قاعه، على قوة لم تكن تعرف أنها تسكنك. سيقال الكثير عن براعة الأطباء الأردنيين، ويجب أن يقال. لكنني سأظل أفكر في ذلك الرجل. في اللحظة التي نظر فيها إلى البحر، وهو يقف على ساق واحدة، ثم قرر أن يعود. وسأفكر أيضاً في كل إنسان وجد نفسه فجأة ناقصاً شيئاً من جسده أو بيته أو عالمه، ثم اضطر أن يبحث وسط الركام، الحقيقي أو المجازي، عمّا يمكن إنقاذه. لأن الأطباء أعادوا ساق الرجل إلى جسده، أما هو، ففي اللحظة التي عاد فيها إلى البحر، كان قد أعاد نفسه إلى الحياة.

 كاتبة لبنانية

✎

فريق تحرير مصري فور نيوز

فريق التحرير في مصري فور نيوز — نتابع الخبر من مصادره ونقدّمه لك محرَّراً ومراجَعاً على مدار الساعة.

أخبار ذات صلة

0 تعليق