تولستوي ودوستويفسكي: وجهان للعبقرية الروسية

منذ 2 ساعة

في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، كان الأدب الروسي يشهد تحولاً عميقاً في مكانته داخل الثقافة الأوروبية. وإذا كان إيفان تورغينيف قد لعب دوراً أساسياً في تعريف الغرب بالأدب الروسي، فإن ظهور ليف تولستوي وفيودور دوستويفسكي غيّر صورة الرواية الروسية في الوعي الأوروبي، وجعل من اسميهما، مع نهاية القرن، عنوانين لذروة جديدة في تاريخ الرواية العالمية.
لم يكن تولستوي ودوستويفسكي متشابهين في الأسلوب أو الرؤية أو حتى في مفهومهما للإنسان، ومع ذلك سرعان ما أصبح من الصعب الحديث عن أحدهما من دون استحضار الآخر. ولم تكن هذه الثنائية أمراً بديهياً منذ البداية؛ فقد احتاجت إلى عقود من القراءة والنقد حتى ترسخت في الوعي الأدبي. ويشير باحثون معاصرون إلى أن المقارنة بين العملاقين نفسها كانت، إلى حد كبير، بناءً نقدياً تشكل تدريجياً، ثم اكتسب مكانة مركزية منذ كتاب ديمتري ميريجكوفسكي «تولستوي ودوستويفسكي» في مطلع القرن العشرين.
كان ميريجكوفسكي من أوائل النقاد الذين منحوا هذه المقارنة صياغة فلسفية شاملة. ففي كتابه «تولستوي ودوستويفسكي»، الذي صدر في مطلع القرن العشرين، لم يكتفِ بمقارنة تقنياتهما الروائية، بل جعلهما ممثلين لمبدئين متعارضين ومتلازمين في الثقافة الروسية: تولستوي، في قراءته، أقرب إلى عالم الجسد والطبيعة والحياة الأرضية، بينما يجسد دوستويفسكي عالم الروح والأزمة الدينية والصراع الداخلي. وقد أصبحت هذه الثنائية من أكثر الصور النقدية تأثيراً في قراءة الكاتبين خلال القرن العشرين.
وهكذا بدأت تتشكل صورتان أدبيتان متعارضتان في الظاهر: تولستوي، صاحب النظرة الواسعة إلى المجتمع والتاريخ والعائلة والطبيعة، ودوستويفسكي، الغائص في أعماق النفس البشرية، حيث الجريمة والخطيئة والإيمان والشك والحرية والمسؤولية. ولعل الفرق بينهما يتضح من طبيعة عوالمهما الروائية. ففي «الحرب والسلام» يستطيع تولستوي أن يضع أمام القارئ مجتمعاً بأكمله، من النبلاء إلى الجنود والفلاحين، وأن ينتقل من صالونات بطرسبورغ وموسكو إلى ساحات الحروب، ومن التفاصيل اليومية الحميمة إلى أسئلة التاريخ الكبرى. وفي «آنا كارينينا» يتداخل مصير الفرد مع الأسرة والمجتمع والدين والعمل والحب. أما دوستويفسكي، في روايات مثل «الجريمة والعقاب» و«الأبله» و«الشياطين» و«الإخوة كارامازوف»، فيدفع القارئ إلى داخل وعي شخصيات مأزومة، حيث يتحول الحوار الخارجي إلى صراع فلسفي ونفسي حول الخير والشر والحرية والإيمان.
ومن هنا يمكن فهم انجذاب بعض القراء إلى أحدهما ونفورهم من الآخر. فقد رأى نيكولاي برديائف، الذي عدّ نفسه من الأبناء الروحيين لدوستويفسكي، أن هناك نمطين مختلفين من التكوين الروحي، الأول أكثر استعداداً لتلقي روح تولستوي، وآخر أكثر استعداداً لتلقي روح دوستويفسكي. وكان يعتقد أن الإفراط في محبة الطريق التولستوي قد يجعل فهم دوستويفسكي أكثر صعوبة، والعكس صحيح.

ولم تكن هذه الثنائية مقصورة على النقاد والفلاسفة الروس. فقد انقسم الكتاب أنفسهم في مواقفهم من العملاقين. كان إيفان بونين شديد الإعجاب بتولستوي، في حين اشتهر عنه موقف قاسٍ من دوستويفسكي. لكن شهادة الشاعرة والكاتبة غالينا كوزنتسوفا تقدم صورة أكثر تعقيداً؛ فهي ترى أن موقف بونين من دوستويفسكي لم يكن سلبياً بصورة مطلقة، وأنه، رغم نفوره الشخصي من عالمه الأدبي، كان يعترف بقوة موهبته وبأنه «كاتب روسي كبير». ولذلك ينبغي الحذر من تحويل العبارات الحادة التي قالها بونين في لحظات مختلفة إلى حكم نهائي بسيط على موقفه من دوستويفسكي. أما فلاديمير نابوكوف، فقد كان أكثر صراحة في تفضيله لتولستوي، وهو موقف انعكس في أحكامه القاسية أحياناً على دوستويفسكي. وبذلك استمرت الثنائية: تولستوي الذي يمثل، في نظر أنصاره، وضوح الحياة واتساعها وامتلاءها، ودوستويفسكي الذي يمثل أعماق النفس وقلقها وتوترها الديني والأخلاقي.
ولم يكن الخلاف روسياً خالصاً. ففي أوروبا أيضاً بدأ الكاتبان يحتلان مكانة متزايدة، وإن كان انتشار أعمالهما قد جرى بطرق مختلفة ومن خلال لغات وسيطة أحياناً. ومن المفيد هنا تصحيح تصور شائع عن التسلسل الزمني للترجمات: فقد وصلت أعمال دوستويفسكي إلى بعض القراء الأوروبيين في وقت مبكر جداً؛ فترجمت أجزاء من «الفقراء» إلى الألمانية ونشرت في 1846–1847. أما الانتشار الواسع لأعماله في أوروبا الغربية فجاء لاحقاً، وخصوصاً في ثمانينيات القرن التاسع عشر؛ إذ ظهرت أولى الترجمات الفرنسية الرئيسية لأعماله في باريس عام 1884.
أما استقبال تولستوي فكان متفاوتاً من بلد إلى آخر. ولم يكن طريقه إلى أوروبا خطاً مستقيماً منذ ستينيات القرن التاسع عشر كما قد يوحي بعض السرد التقليدي؛ فالدراسات الحديثة تشير مثلاً إلى أن حضوره الفرنسي قبل ثمانينيات القرن التاسع عشر كان محدوداً، وأن ترجمات فرنسية مبكرة لم تحقق انتشاراً كبيراً. ثم ازداد حضوره الأوروبي بصورة ملحوظة في العقود اللاحقة، بالتزامن مع تزايد الاهتمام بالرواية الروسية عموماً. وفي مطلع القرن العشرين أصبحت المقارنة بين تولستوي ودوستويفسكي جزءاً من الحوار الأدبي الأوروبي. وكان أندريه جيد من أبرز الذين أسهموا في إعادة تقييم مكانة دوستويفسكي. ففي نصه الذي كتبه عام 1908 عن دوستويفسكي، رأى أن اسمه ينبغي أن يوضع إلى جانب إبسن ونيتشه، بل ذهب إلى أنه قد يكون «الأهم» بينهم. وكان هذا الحكم جزءاً من تحول أوسع في استقبال دوستويفسكي في أوروبا، حيث بدأ يُنظر إليه بوصفه كاتباً قادراً على كشف مناطق من النفس الإنسانية لم تكن الرواية الأوروبية قد استكشفتها بهذا العمق. ولم يكن الاهتمام الأوروبي بدوستويفسكي مجرد إعجاب أدبي. فقد أثّر في عدد من كبار المفكرين والكتاب. ومن المعروف، مثلاً، أن نيتشه رأى في اكتشافه لدوستويفسكي حدثاً مهماً بالنسبة إلى فهمه للنفس البشرية؛ ونقل أندريه جيد عنه قوله إن دوستويفسكي كان من أكثر الكتاب الذين علموه شيئاً في علم النفس.

أما تولستوي فكان تأثيره مختلفاً. فقد أصبح بالنسبة إلى كثير من القراء الأوروبيين نموذجاً للرواية الملحمية القادرة على احتضان التاريخ والمجتمع والأسرة والفرد في بناء فني واحد. ولم تكن «الحرب والسلام» مجرد رواية عن الحروب النابليونية؛ بل كان محاولة لإعادة التفكير في علاقة الفرد بالجماعة، وفي معنى التاريخ ودور الشخصيات الكبرى في صنعه. وهنا تكمن إحدى المفارقات الجميلة في المقارنة بينهما: كلاهما حاول الوصول إلى الحقيقة الإنسانية، لكنهما سلكا طريقين مختلفين. تولستوي كان يميل إلى توسيع مجال الرؤية حتى تصبح حياة الفرد جزءاً من حركة مجتمع بأكمله، بينما كان دوستويفسكي يميل إلى تكثيف العالم داخل النفس، حتى تتحول غرفة صغيرة أو حوار بين شخصين إلى مسرح لصراع كوني بين الخير والشر والإيمان والشك. ولهذا فإن القول بأن أحدهما «كاتب الحياة» والآخر «كاتب الروح» يظل مفيداً إذا استُخدم بوصفه صورة نقدية لا حكماً نهائياً. فتولستوي نفسه كان منشغلاً بأسئلة الروح والأخلاق والدين، خصوصاً في مرحلته الفكرية المتأخرة، كما أن دوستويفسكي لم يكن بعيداً عن الحياة الاجتماعية والسياسية والتاريخية في روسيا. وقد كان كلاهما شديد الحساسية تجاه التحولات العميقة التي كانت تعصف بالمجتمع الروسي في القرن التاسع عشر. ومن هذه الزاوية يصبح الاختلاف بينهما أعمق من مجرد اختلاف في الأسلوب. فكلاهما كان يسأل، بطريقته الخاصة، السؤال نفسه تقريباً: كيف يستطيع الإنسان أن يعيش حياة ذات معنى في عالم تتصارع فيه الحرية والإيمان والعقل والرغبة والخطيئة والمجتمع؟
ولعل هذا هو السبب في أن المقارنة بينهما لم تفقد قوتها بعد أكثر من قرن. فقد استمرت الدراسات الأدبية في وضعهما جنباً إلى جنب، من ميريجكوفسكي في مطلع القرن العشرين إلى جورج شتاينر في القرن العشرين، مروراً بميخائيل باختين وغيره من كبار النقاد. وقد وصف أحد العروض الأكاديمية المعاصرة هذه المقارنة بأنها أصبحت منذ ميريجكوفسكي نقطة انطلاق أساسية في بناء صورة الأدب الروسي داخل القانون الأدبي العالمي.
وفي النهاية، ربما لا تكمن أهمية تولستوي ودوستويفسكي في أن نقرر أيهما أعظم، بل في أن الأدب العالمي وجد فيهما شكلين مختلفين من العبقرية الروائية. أحدهما يفتح الرواية على اتساع التاريخ والطبيعة والمجتمع والحياة اليومية، والآخر يحول النفس البشرية نفسها إلى عالم كامل، مضطرب ومتناقض ومفتوح على أسئلة لا تنتهي. ولهذا ظل الاثنان، رغم اختلافهما الجذري، متجاورين في الذاكرة الأدبية العالمية: قمتان متقابلتان، لا تلغي إحداهما الأخرى، بل تجعل المقارنة بينهما أكثر ثراءً كلما تغيرت الأسئلة التي يطرحها الإنسان على الأدب وعلى نفسه.

كاتب عراقي

✎

فريق تحرير مصري فور نيوز

فريق التحرير في مصري فور نيوز — نتابع الخبر من مصادره ونقدّمه لك محرَّراً ومراجَعاً على مدار الساعة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق